عبد الوهاب الشعراني
27
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
ومن شأنه أن لا يرى أنه كافأ أستاذه ولو خدمه ألف عام ، وأنفق عليه الألوف من المال ، ومن خطر بباله بعد ذلك أنه قابله بشيء فقد خرج عن الطريق ، ونقض العهد ، فقد كان الشيخ داود بن باخلا السكندري شيخ سيدي محمد وفا يقول : لا يصح من مريد أن يرى أنه يعترض على شيخه لأن ذلك الأمر الذي استفاده منه لا يقابل بالإعراض . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه يقول : لا تصحبوا الأشياخ إلا بصدق وإذعان وصبر على جفائهم لكم بغير سبب ظاهر ، ولا تأتوهم إلا بهمة وقادة ، فإنه أسرع في قبول الشيخ لكم ، وما قال شيخ قط لمريد جاء يطلب الطريق اصبر يوما أو يومين أو ساعة إلا لما يراه من فتور همة ذلك المريد وسوء أدبه ، ولو أنه رأى عنده أدبا لبادر لأخذ العهد عليه ، ولم يجز للشيخ أن يقول قف ساعة لأن ذلك يطفئ نار عزم المريد . وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : يجب على المريد أن يلقي حيله وأسبابه وكل ما اعتمد عليه من معمولاته بين يدي أستاذه حتى يلتقمها حكمه وحكمته ، فلا يبقى له عمدة على علم ولا عمل دونه ، فلا يرى اعتماده بعد اللّه إلا على فضل شيخه ، ولا وصول خير له إلا بواسطته ، كل ذلك ليسير به الأستاذ إلى حضرة ربه في حال نجوى نفسه ليلا ، ويخرجه من مواطن تحكم العدو ، إلى مقامات حكم الحق جل وعلا ، وهناك لا تزلزله الزلازل وإن اشتدت . وكان يقول كثيرا : ملازمة المريد للشيخ قد تكون أفضل من سفر المريد إلى مكة ، لأن الأستاذ إنما جعل ليرقي المريد إلى معرفة رب البيت الذي هو أعظم من البيت ، وكيف للمريد أن يترك تعظيم بيت وضعه الحق تعالى لمعرفته وأسراره ، ويشتغل ببيت وضعه الحق تعالى للناس فإن حضرة الأستاذ هي من حضرة الحق جل وعلا ، التي احتوت على أسرار أئمة الهدى ، لأنه وارث علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ومن شأنه أن لا يأتي حضرة أستاذه قط إلا بالصدق ، ولو تكرر إتيانه كل يوم ألف مرة . وقد كان سيدي علي بن وفا يقول : ما جاء مريد إلى حضرة أستاذه بالصدق إلا وكان من أهله وجاز للشيخ كشف الأسرار له ، وان جاء بغير الصدق كان أمره بالعكس . وكان يقول : إذا اعتقدت في أستاذك أنه مطلع على جميع أحوالك فقد عرضت عليه صحيفتك فقرأها ، فهو إما يشكرك ، وإما يستغفر لك ، فيا سعادة من كان له أستاذ .