عبد الوهاب الشعراني
14
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
بغير ذلك أفضل نقض عهد شيخه فإن الشيخ أمين من جهة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أمته ، ومطالب بأن يفعل معهم ما يرقيهم وينهاهم عما يؤخرهم في المقامات ، فقد يكون ما يطلبه المريد يورثه عجبا ورياء وشهوة ، أو يبتغي به ثناء ومدحا بين الناس ، فيخسر مع الخاسرين . وقد بلغنا أن سيدي إبراهيم المواهبي لما جاء إلى سيدي الشيخ أبي المواهب يطلب الطريق إلى مقدمة الأدب مع اللّه تعالى أمره أن يجلس في الإصطبل يخدم البغلة ويقضي حوائج البيت وقال له : احذر أن تحضر مع الفقراء قراءة حزب أو علم فأجابه إلى ذلك ، فمكث سنين حتى دنت وفاة الشيخ فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم في الخلافة بعده ، فقال ائتوني بإبراهيم فأتوه به ففرش له سجادة وقال له : تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى لهم العجائب والغرائب نظما ونثرا حتى انبهرت عقول الحاضرين ، فرجع الذين كانوا تطاولوا للإذن وتعجبوا من ذلك ، فكان سيدي إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك القوم شيء من أحوال الطريق ، فعلم أن معرفة الأمور التي يقع بها الفتح راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد . قال القشيري : وإذا أمر الشيخ المريد أن يخدم إخوانه كان على المريد أن يخلص نيته في ذلك ، ويصبر على جفاهم له ، مع شدة خدمته لهم ، وعدم حمدهم له على ذلك ، وينبغي له أن يعتذر لهم ، ويقيم لهم العذر على نفسه ويقول : أنا الظالم الذي لم يعمل على مرادكم حتى حفوتموني ويقر بالجناية على نفسه ولو علم أنه بريء الساحة ما لم يكن في ذلك تعزير واحد ، فإن إقراره على نفسه بذلك من غير أن يقع منه ظلم للنفس وذلك حرام . ومن شأنه أن يلزم الأدب مع الشيخ إذا أسكت الجماعة في مجلس الذكر فليس له بعد ذلك أن ينفعل في الذكر لأن الشيخ لا يشير عليهم بالسكوت إلا بقدر استئذانه الحق تعالى بقلبه ومعرفة ما ألقى به إليه من طريق الإلهام من الإذن له في إسكاتهم أو عدمه ، ويعرف ذلك غالبا بانشراح القلب وانقباضه ، فإن انشرح لإسكاتهم أسكتهم ، وإن انقبض تركهم في الذكر ، وقد تقدم بسط ذلك في الباب الأول . وكان شيخنا سيدي علي المرصفي رحمه اللّه يقول : لما أخذ عليّ شيخي العهد بأني لا أخالفه ولا أكتم عنه شيئا من أمري ، كنت لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا أقرب من زوجتي ، حتى أقول بقلبي : دستور يا سيدي وقال لي : من واظب على ذلك في حق أستاده ترقى منه إلى صحة معاملة اللّه عز وجل لأن الشيخ مرتبة إدمان للمريد يتمرن فيها قبل معاملته للّه عز وجل ، فكل أدب لم يحكمه مع شيخه لا يصح له فعله مع ربه عز وجل إلا برعونة نفس ، وليس في ذلك ترقّ . وكان رضي اللّه عنه يقول : كل مريد منعه شيخه شيئا من الدنيا وتكدر لذلك فكذلك ربما