عبد الوهاب الشعراني
15
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
يسخط على مقدور الحق تعالى إذا منعه شيئا كان يطلبه وقس على ذلك سائر الأمور فليحذر المريد من التكدر إذا فرق الشيخ ذهبا أو فاكهة مثلا ونسيه ، فإن ذلك سوء أدب مع الشيخ واللّه أعلم . ومن شأنه أن يكون فطنا لما هو من جنس ما يأمره به شيخه ، أو ينهاه عنه ، ولا يحوجه إلى تصريح بأمر أو نهي فيه لا سيما بحضرة من ليس من القوم ، بل يفهم من الرمز والإشارة . وقد كان خادم الشيخ أبي يزيد البسطامي رحمه اللّه لا يحتاج معه إلى لفظ إنما كان أبو يزيد يكلمه بالقلب من غير لفظ فيفهم الأمر ويفعله . وكذلك وقع لسيدي أبي العباس الغمري مع خادمه . وقال لي الشيخ عبد اللّه الفاعل مرة : كان الشيخ أبو العباس يكلمني بالباطن من غير لفظ فأفهم الأمر وآتيه بما يؤكل أو يشرب أو يلبس على التعيين . وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي أحد أصحابه قال : قال لي يوما سيدي أبو العباس يا محمد أريد منك أنك تصير تفهم إشارتي من غير لفظ وتفعل كل ما أكلمك فيه بقلبي ، فقلت له : نعم . فدخل علينا ابن السلطان قايد باي فالتهى به الشيخ عني ثم لم أتجرأ أن أسأله عن ذلك الأمر إلى أن مات . ومن شأنه أن لا يشرك مع شيخه أحدا في المحبة من سائر من لم يأمره اللّه تعالى بمحبته فيجعل محبة اللّه وسط قلبه ويجعل محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريبة من ذلك ، وهكذا على اختلاف مراتب المحبوبين شرعا ممن تكون محبتهم من الإيمان . فمثل محبة هؤلاء لا تضر مع محبة الشيخ ، لأمر الحق تعالى المريد بها . وكان سيدي علي بن وفا رحمه اللّه يقول : محبة الأنبياء والأولياء وصالحي المؤمنين لا تضر مع محبة الشيخ ، لأنها من جملة الشريعة ، والشريعة نور ، والأنوار تتداخل ، بخلاف الأمور التي نهت الشريعة عنها فإنها ظلام كثيف لا تتداخل ، فلو وضع في البيت الواحد ألف سراج شع نورها كلها . وكان يقول كثيرا : إياكم أن تشركوا في المحبة مع شيخكم أحدا من المشايخ ، فإن الرجال أمثال الجبال وهم على الأخلاق الإلهية المشار إليها بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « تخلقوا بأخلاق اللّه » ، فكما أن اللّه تعالى ( لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) فكذلك محبة الأشياخ لا تسامح أن يشرك بها وكما أن الجبال لا يزحزحها عن أماكنها إلا الشرك باللّه تعالى ما دام العالم باقيا ، فكذلك لا يزيل همته عن حفظ مريده من الآفات إلا شرك موضع خالص المحبة من قلبه ، وقال تعالى : « تَكادُ