عبد الوهاب الشعراني

13

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

من أدب الطريق استئذان الشيخ ومن شأنه أن لا يحج إلا بإذن شيخه ، فإن معرفة الأدب مع رب البيت مقدمة على معرفة أدب البيت ، فمن سافر إلى البيت قبل معرفته بصاحب البيت المعرفة التي يعرفها القوم ، فقد أخطأ طريقهم ولم يحصل له امدادها ، وبعيد أن يسقط عنه بها حجة الإسلام ، كما أنه فرق عظيم بين حج شيخ الإسلام وبين حج آحاد العوام . وغاية أمر من يحج بلا إذن شيخه تفرقة قلبه بانتقاله من واد إلى واد ، ولو أنه كان ارتحل بإشارة شيخه خطوة واحدة لكان ذلك أحسن له من ألف سفرة بالجهل . وقد قال علماؤنا : وللزوج تحليل امرأته من حج تطوع لم يأذن فيه وكذا من الفرض على المذهب ، وأقل مقام طاعة الشيخ أن يكون كالزوج للمرأة ، ويكون يتصرف في المريد كما يتصرف الرجل في زوجته ، من حيث التحجير عليها والتربية لها . وقد بلغنا أن الشيخ يوسف القطوري دخل على سيدي محمد الحنفي الشاذلي رضي اللّه عنه وهو يخمر طينا فقال له : سيدي محمد انزع عمامتك وساعدنا ، فنزع عمامته وخمر الطين ، ثم لم يقل له الشيخ بعد ذلك البس عمامتك ، فلم يزل من غير عمامة إلى أن مات ، فقيل له في ذلك فقال : إن الأستاذ لم يأمرني بلبسها بعد أن أمرني بنزعها ، وليس من الأدب أن أبدأه بالمشاورة على لبسها ، هكذا قال . وهذا أدب عظيم ، ما بلغنا مثله عن مريد ، وإن كان الأولى مشاورة الشيخ ولبسها ، لأن العمامة سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومن شأنه أن يعتقد في شيخه الكمال ، وذلك بأن يعتقد فيه أنه أعلم منه بطريق الشريعة والحقيقة قالوا : لكن لا يبالغ في كماله بحيث يرفعه إلى مقام العصمة . وقد قال الإمام القشيري رحمه اللّه : لا ينبغي للمريد أن يعتقد في شيخه وأضرابه العصمة ، إنما الواجب عليه الانقياد لهم فيما يأمرونه به من الخير ويذرهم وأحوالهم مع إحسانه الظن بهم ، ويراعي مع اللّه حدوده فيما يتوجه عليه هو من الأمور ، وما وصل إليه مع علم الشريعة يكفيه في التفرقة بين ما هو محمود وبين ما هو مذموم ، فيعمل بما حققه ويستفتهم فيما أشكل عليه . قال : ومن أصدق دليل على سعادة المريد قبول قلوب المشايخ له ، وكل من رده قلب شيخ من المشايخ المتحققين فلا بد أن يرى عاقبة ذلك ولو بعد حين ، ومن خذل بترك احترام الأشياخ فقد أظهر رقم شقاوته ، واللّه أعلم . ومن شأنه إذا أقامه الشيخ في خدمة سفرا وحضرا دون أن يحضر مجالس الذكر أن لا يتكدر فإن الشيخ إنما يستعمله فيما يراه خيرا له من سائر الوجوه ، ومتى تكرر أو رأى أن اشتغاله