عبد الوهاب الشعراني
12
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
الطعام لاستغنائنا عن ذلك بالذكر ، ولكن كان أصحابه أصحاب أعمال شاقة من حرث ، وحصاد ، ودراس ، ونحو ذلك ، فلكل حال رجال ، والحمد للّه رب العالمين . ومن شأنه أن لا يفعل مع الشيخ شيئا يوحش قلب الشيخ منه فإن اللّه تعالى قد يغضب لغضب الشيخ ويرضى لرضاه ، لأنه قد يكون أعظم حرمة من والد الجسم . وإيضاح ذلك أن الشيخ لا يأمر المريد إلا بما أمر اللّه به فمن خالفه فقد خالف الشارع صلى اللّه عليه وسلم ووقع في غضب اللّه بحسب تلك المعصية من كبيرة أو صغيرة ، فيا شقاوة من غير قلب شيخه وقتا من الأوقات ، وعلى المريد إذا لم يجد من يتأدب به في بلده أن يسافر إلى من هو منصوب في وقته لإرشاد المريدين ثم يقيم عنده ولا يبرح عن بابه حتى يفتح عليه ، ثم إن قابله الشيخ بالجفاء وعدم الاحتفال بأمره صبر ، فربما فعل الشيخ معه ذلك ليريه عزة الطريق ليدخل إليها بالتعظيم ولا يستهين بها ، وربما أمر الناس بصفعه على عنقه وعدم تمكنه من دخول الزاوية ، كما وقع ذلك « لسيدي محمد الغمري » مع سيدي « أحمد الزاهد » . وربما لحن الشيخ في كلامه العادي ليمتحن ذلك المريد إذا كان نحويا كما وقع لسيدي الشيخ أبي السعود الجارحي مع الشيخ محبّ الدين اللقاني فإنه لما جاءه يطلب الطريق قال له الشيخ : يظنّ بي الناس خيرا وإني * أشرّ الناس إن لم يعف عني بنصب الناس وأشر ففارقه ساكتا وقال : هذا لا يعرف الفاعل من المفعول ، فرأى رؤيا فيها تعظيم الشيخ فجاء يقصها عليه ، فأول ما رآه الشيخ قال : الصواب رفع الناس وأشر ، فقال الشيخ محب الدين : اللّه أكبر ، فقال : على كل مخالف للأدب كيف تطلب أدب الطريق ، وتفر من نصبه ، وتأتي برفعه ؟ فتاب واستغفر فقال له الشيخ : أنا اشتغلت بالنحو زمانا ، وإنما أردت اختبارك . وكان أبو القاسم القشيري يقول : يجب على كل من زار شيخا أن يدخل عليه بالحشمة والحرمة ، فضلا عن شيخ الإنسان ، ثم إن أهّله الشيخ لشيء من الخدمة عدّ ذلك من جزيل النعمة ، وليحذر من أن يقيم ميزان عقله الجائر على من يدخل عليه من الأشياء ، فربما مقته ذلك الشيخ فلا يفلح بعدها أبدا ، بل بعضهم تنصّر ومات على دين النصرانية ، كما حكي . وسمعت سيدي محمد الشناوي رحمه اللّه يقول : مما أنعم اللّه تعالى به عليّ أني ما دخلت قط على شيخ إلا وميزان عقلي مكسور وأرى نفسي تحت نعاله ، فلا أخرج من عنده إلا بمدد وفائدة .