عبد الوهاب الشعراني

11

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

ليحصل لنفسه المنزلة والجاه عند الناس ، إما في العاجل وإما في الآجل . ومن شأنه أن لا يكتم عن شيخه شيئا من أحواله الظاهرة والباطنة حتى الخواطر التي استقرت عنده ، ومتى كتم عنه شيئا فقد خانه في الصحبة ، وكان عليه تجديد الصحبة إن أرادها ، والمراد بما قلنا الأمور التي يحصل بها الترقي عادة في الطريق من ذكر علل الأعمال دون الأمور العادية . وأجمعوا على أنه إذا حصل من المريد مخالفة لإشارة شيخه أو جناية على أحد بغير حق كان عليه أن يقرّ بين يديه بالجناية على الفور ثم يستسلم لما يحكم به عليه شيخه من العقوبات للنفس على تلك الجناية من سفر يكلفه أو خدمة شديدة ونحو ذلك ، وأجمعوا على أنه لا يجوز للأشياخ التجاوز عن زلات المريد ، لأن ذلك تضييع لحقوق اللّه عز وجل ، وكذلك أجمعوا على أنه لا يجوز للشيخ أن يلقن المريد شيئا من الأذكار معنى التلقين الخاص إلا بعد تجرد المريد من كل علاقة دنيوية . ويجب على الشيخ أن يأمر المريد أن يذكر اللّه تعالى بلسانه بشدة وعزم فإذا تمكن من ذلك يأمره أن يسوي في الذكر بين قلبه ولسانه ويقول له : أثبت على استدامة هذا الذكر ، كأنك بين يدي ربك أبدا بقلبك ، ولا تجر على لسانك غير الاسم الذي لقنته لك ما أمكنك ، ولا تترك الذكر حتى يحصل لك منه حال وتصير أعضاؤك كلها ذاكرة ولا تقبل الغفلة عن اللّه تعالى . وتقدم في الباب الأول أن ثم جماعة من أولياء اليمن يلقنون المريد لفظ الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويأمرونه بالاشتغال بها ليلا ونهارا وتحصل له بذلك سلوك الطريق ، ويكون شيخه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن الجمهور كلهم على تلقين أسماء اللّه تعالى فقط ، ثم بعد أن يلقنه الذكر يأمره بالجوع على التدريج شيئا فشيئا لئلا تقل قواه فينقطع عن الذكر ، فإن في الحديث « إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » والمراد بالمنبت الذي حمل دابته فوق طاقتها حتى عجزت واضطجعت في الأرض ، فهذا لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وقد كان سيدي الشيخ أبو السعود الجارحي رحمه اللّه يأمر المريد بأن يتناول غذاءه المعتاد كمية من حب القمح ، ثم يصير ينقص كل يوم قمحة ، وتارة يعادل ذلك بخشب طري ، فيصير ينقص غذاءه كل يوم بحسب ما ينقص ثقل الخشب ، وذلك أمر لا يحس به البدن ، ولا يؤثر فيه ضعفا ، فمن أراد أن يقلل الأكل على التدريج فليفعل مثل ذلك . وكانت طريقة شيخنا محمد الشناوي رحمه اللّه الأكل المعتاد مع كثرة الذكر بعزم وهمة . ويقول : إن الذكر يهضم الطعام ، ويقول : إن في الحديث أذيبوا طعامكم بذكر اللّه تعالى ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم . وكان كثيرا ما يقول : نحن لا نحتاج مع الذكر إلى فجل ولا خلّ ولا شيئا مما يهضم