عبد الوهاب الشعراني

27

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

بغير حضور ، وكذلك قال صاحب الحكم : « لا تترك الذكر لعدم حضورك مع اللّه تعالى فيه ، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور ، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور ، وما ذلك على اللّه بعزيز » . وأجمع القوم على أن الذكر مفتاح الغيب ، وجاذب الخير ، وأنيس المستوحش ، ومنشور الولاية ، فلا ينبغي تركه ، ولو مع الغفلة ، ولو لم يكن من شرف الذكر إلا أنه لا يتوقت بوقت لكان ذلك كفاية في شرفه قال تعالى : « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ » قالوا : وما ثم أسرع من فتح الذكر ، وهو جامع لشتات صاحبه ، وإذا غلب الذكر على الذاكر ، امتزج بروح الذاكر حب اسم المذكور ، حتى إن بعض الذاكرين وقع على رأسه حجر فقطر الدم على الأرض وكتب : « اللّه اللّه » . واعلم يا أخي أنه لا يجد أنس الذكر إلا من ذاق وحشة الغفلة ، فأما المستغرق فلا يجد أنسا ولا وحشة ، ولا يخاف من سبع أو حية . وبعد ذكر ما نبهناك عليه من فائدة الذكر ، فلنورد إليك شيئا من فضله لأن القلب يقوى بالاطلاع على الدليل ، فروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى ! قال : ذكر اللّه » . وروى الشيخان مرفوعا : « يقول اللّه عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني » وفي رواية « أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه » . وكان معاذ بن جبل رضي اللّه عنه يقول : آخر كلام فارقت عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن قلت : أي الأعمال أحب إلى اللّه تعالى ؟ قال : « أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللّه » . وفي الصحيح مرفوعا « إن لكل شيء صقالة ، وإن صقالة القلوب ذكر اللّه ، وما من شيء أنجى من عذاب اللّه من ذكر اللّه . قالوا : ولا الجهاد في سبيل اللّه ؟ قال : ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع » . وروى ابن حبان في صحيحه مرفوعا : « ليذكرن اللّه قوم في الدنيا على الفرش الممهدة يدخلهم اللّه الدرجات العلى » وروى الشيخان مرفوعا : « مثل الذي يذكر اللّه والذي لا يذكر اللّه ، مثل الحي والميت » وروى الإمام أحمد والطبراني « أن رجلا قال : يا رسول اللّه ، أي المجاهدين أعظم أجرا قال : أكثرهم ذكرا للّه ، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة ، كل ذلك ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : أكثرهم للّه ذكرا ، فقال أبو بكر لعمر : يا أبا حفص ، ذهب الذاكرون