عبد الوهاب الشعراني
26
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
هذا المريد البارد الهمة كحكم القطن الذي يقدح فيه الزناد ، فإن كان جافّا علق فيه القبس وإلا طفي كل قبس نزل فيه من شرر النار ؛ فافهم . ثم إذا تلقن المريد وحصل منه معصية أو سوء أدب فالواجب عليه إعادة التلقين ليخرج الشيطان من مدينة جسده وقلبه ، إذ التلقين يخرج الشيطان وسوء الأدب يدخله . وسمعنا سيدي محمد الشناوي يقول : « حكم المريد إذا وقع في سوء أدب بعد التلقين ، حكم الحبة إذا سوست وذابت واستحالت إلى طبع العذرة ، فلا يرجى منها بعد ذلك إنبات ولا خروج ورق ، فضلا عن الثمرة ، بل تتلف تلك الحبة التي بزرها الشيخ بالكلية » وهذا الأمر قد كثر في مريدي هذا الزمان وما منهم أحد يجدد التلقين على شيخه فعدموا النفع وصاروا أجسادا بلا أرواح كأنهم خشب مسندة ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وأما ثمرة التلقين الخاصة الذي هو تلقين السلوك بعد الدخول في سلسلة القوم فصورته : أن الشيخ يتوجه إلى اللّه تعالى ويفرغ على المريد من قوله له : قل لا إله إلا اللّه ، جميع ما قسم له من علوم الشريعة المطهرة فلا يحتاج بعد هذا التلقين إلى مطالعة كتاب من كتب الشريعة حتى يموت ، وقد كان الشيخ أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه يقول : « لما لقنني شيخي السري رحمه اللّه أفرغ فيّ جميع ما كان عنده من علوم الشريعة ، وكان يقول : ما نزل من السماء علم وجعل الحق تعالى للخلق إليه سبيلا ، إلا وجعل فيه حظا ونصيبا ، وكان يقول : يحتاج من يتصدر لأخذ العهود وتلقين الذكر وإرشاد المريدين أن يكون متبحرا في علم الشريعة لأن له في كل حركة ميزانا شرعيا » . ومن قال من المتمشيخين في هذا الزمان إن هذا الأمر ليس بشرط في التلقين لكونه هو لا يقدر عليه ، قلنا له : قد نسبت أشياخ الطريق من السلف إلى الجهل ، وهذا يقع فيه كثير ممن برز للمشيخة بغير حق فيقول عن كل شرط رآه في مقام من المقامات : هذا ليس بشرط ، خوفا أن يفضح نفسه بين الناس ، ولو أنه كان متأدبا لقال : هذا الأمر لا نقدر عليه ثم يطلب له شيخا ببلد له ليوصله إليه ، كما درج عليه الصادقون . وأما بيان فوائد الذكر وبيان كيفيته وبعض ما ورد في الحث عليه ، فاعلم رحمك اللّه أن فوائد الذكر لا تنحصر لأن الذاكر يصير جليس اللّه تعالى لا يرى فيه بينه وبين ربه واسطة ، فلا يعلم أحد قدر ما يتحفه الحق تعالى من العلوم والأسرار كلما ذكر ، لأنها حضرة لا يرد عليها أحد ويفارقها بغير مدد ، فيقال لمن ادعى أنه حضر بقلبه في ذكره مع ربه : ماذا أتحفك وأعطاك في هذا المجلس ؟ فإن قال : ما أعطاني شيئا ، قلنا له : وأنت الآخر لم تحضر معه شيئا ، فاتخذ شيئا يزيل عنك الموانع المانعة لك عن الحضور ، فإن لم يتخذ له شيخا قلنا له : أكثر من الذكر ولو