عبد الوهاب الشعراني

25

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

عليه ، وأنه بين يدي اللّه تعالى ، ثانيها : جمع الحواس بحيث لا يتحرك منه شعرة ، كحال الهرة عند اصطياد الفأرة ، ثالثها : نفي الخواطر كلها وإجراء معنى اللّه اللّه : على القلب » قال : « وهذه الآداب لا يثمر للذاكر المراقبة إلا بها » . الثاني : أن يذم نفسه بقدر ثلاثة أنفاس إلى سبعة أنفاس وأكثر ، حتى يدور الوارد في جميع عوالمه فتنور بصيرته ، وتقطع عنه خواطر النفس والشيطان ، وتكشف عنه الحجب ، وهذا كالمجمع على وجوبه عندهم . الثالث : منع شربه الماء البارد عقيب الذكر فإن الذكر يورث حرقة وهيجانا وشوقا إلى المذكور الذي هو المطلوب الأعظم من الذكر ، وشرب الماء يطفي تلك الحرارة . فليحرص الذاكر على هذه الثلاثة آداب ، فإن نتيجة الذكر إنما تظهر بها . واللّه أعلم . وأما بيان ثمرة التلقين ، فاعلم أن للتلقين ثمرة عامة وثمرة خاصة ، ولكل منهما رجال ، فالثمرة العامة الدخول بالتلقين في سلسلة القوم فيصير كأنه حلقة من حلق السلسلة الحديد ، فإذا تحرك في أمر تحرك معه سائر السلسلة ، فإن كل ولي بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كأنه واحد من حلق السلسلة ، بخلاف من لم يتلقن فإن حكمة حكم الحلقة المنفصلة إذا تحرك في أمر يدهمه لا يتحرك معه أحد لعدم ارتباطه بأحد . وسمعت سيدي علي المرصفي رضي اللّه تعالى عنه يقول : « حكم تلقين الشيخ للمريد حكم النواة التي تغرس في أرض يابسة ينتظر ريها بالمطر ، فمرادها واستمدادها وانعلافها وخروج ورقها راجع إلى شدة شربها وخفته بحسب الري لا إلى غرس الشيخ فللشيخ البذر وللحق تعالى الإنبات ، وربما غرس شيخ غرسا في المريد ومات ، وكان خروج الثمرة على يد شيخ آخر بعده ، إما لضعف همة المريد أو عدم توالي معاني الذكر على قلبه ولسانه ، فإنهم قالوا : إن توالي الذكر بعد التلقين كتوالي المطر على النواة بعد غرسها وذلك لأنه يسرع بالفتح والإنتاج . فعلم أنه لا يكفي المريد بعد التلقين أن يحضر مع الفقراء مجلس الذكر صباحا ومساء فقط كما عليه غالب المريدين في هذا الزمان ، فإن حكم ثمرة ذلك الذكر كمن يقطر على النواة قطرة ماء أول النهار وقطرة ماء آخره ، مع تحلل الشمس والريح بينهما ، ومثل ذلك لا يروي أرض النواة بل ربما لم يصل إلى النواة منه طراوة ، فيطول زمن فتحه ، وربما مات ولم يفتح عليه بشيء ، وربما لام هذا المريد الشيخ على تلقينه ، وقال ولو في نفسه : ما كان لي حاجة بهذا التلقين لأنه لم يحصل لي فائدة ، وغاب عنه أن وظيفة الشيخ إنما هو غرس النواة ، وعلى المريد كثرة الذكر ، والأعمال المرضية ، ثم إن أبطأ فتح المريد فذلك إلى اللّه لا إلى الشيخ ، فحكم