عبد الوهاب الشعراني
14
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
قبلها ، بل يقال : كان ولا شيء معه ، لأن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فلا نطلق عليه تعالى ما لم يطلقه على نفسه فإنه أطلق على نفسه : الأول والآخر ، لا القبل والبعد . فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، خلق العرش وجعله حد الاستواء ، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كاتبا في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ، أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق ، وخلق ما خلق . أنزل الأرواح في الأشباح أمنا ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفا ، وسخر لها ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، فلا تتحرك ذرة إلا عنه ، خلق الكل من غير حاجة إليه ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه بذلك سبق ، فلا بد أن يخلق ما خلق . فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، يعلم السرّ وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، كيف لا يعلم شيئا خلقه ، « أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » ، علم الأشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الأشياء بعلمه ، أتقن الأشياء وأحكمها ، يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق فهو عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ، فهو المريد للكائنات في عالم الأرض والسماوات لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده سبحانه حتى علمه ، إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم ، أو يفعل المختار المتمكن من ذلك الفعل ما لا يريده كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حيّ ، كما يستحيل أن تقوم هذه الصفات بغير ذات موصوفة بها . فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلمة ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا سهاد ولا رقاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شيء من جميع المتضادات والمختلفات والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده فكيف يوجد المختار ما لا يريد ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ويضلّ من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن .