عبد الوهاب الشعراني
15
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد اللّه تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئا لم يرد اللّه إيجاده وأرادوه ما فعلوه ولا استطاعوه ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ، ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفا بهذه الإرادة أزلا والعالم معدوم ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر ، بل أوجده عن العلم السابق ، وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان ، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه ، إذ هو القائل سبحانه : « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » وإنه تعالى كما علم ما حكم وأراد فخص وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ، أو نطق في الورى ، من العالم الأسفل والأعلى ، لا يحجب سمعه البعد ، فهو القريب ، ولا يحجب بصره القرب ، فهو البعيد ، يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت المماسة الخفية عند اللمس يرى السواد في الظلماء ، والماء في الماء ، لا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ، ولا النور ، وهو السميع البصير . تكلم سبحانه ، لا عن صمت متقدم ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم به موسى عليه الصلاة والسلام سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل والفرقان ، من غير تشبيه ولا تكييف ، إذ كلامه تعالى من غير لهاة ولا لسان ، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا أجفان ، كما أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة ولا النقصان . فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن وجوده فائض ، وفضله وعدله الباسط والقابض ، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ولا مدبر معه فيه ، إن أنعم فنعّم فذلك فضله ، وإن أبلى فعذب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف . كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور ، أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور ، فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله ، لقدم صفاته كلها ، وتنزهها عن الحدوث . أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين ، فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثمّ سواه ، فالكل تحت تصريف أسمائه ، فقبضة تحت أسماء بلائه وقبضة تحت أسماء آلائه ، لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان ، أو شقيّا لما كان في ذلك من شان ، لكنه سبحانه لم يرد ذلك فكان كما أراد