عبد الوهاب الشعراني

13

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعة ، فقام للشيخ وعضده من تحت إبطه وقال : يا سيدي عززتني في هذا النهار ، فإني ومملكتي كلها لا نفي حق طريقك . وكان آخر الأشياخ الذين أدركناهم ، سيدي الشيخ علي المرصفي رضي اللّه عنه ، فلما توفي في جمادى الأول سنة ثلاثين وتسعماية ، انحل نظام الطريق في مصر وقراها ، وجلس كثير للمشيخة بأنفسهم من غير إذن من أشياخهم ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . واعلم يا أخي أن جميع ما ذكرته لك في هذه الرسالة من أخلاق المريدين ، إنما هو كالقطرة من البحر ، فليعرض كل من نظر فيها أحواله على ما ذكرته من الآداب فيها ، فإن وجد نفسه متخلقا بها فليحمد اللّه تعالى ، وإن وجد نفسه عاريا عنها ، فليأخذ في أسباب التخلق بالسلوك على يد شيخ ناصح . وإن كان قد جلس للمشيخة فليعزل نفسه منها نصيحة لنفسه ولإخوانه ، فإن من جلس للمشيخة بغير إذن من شيخه ضل وأضل ، وإنما لم نذكر شيئا من أخلاق الكمّل في هذه الرسالة لعزة وجودها وعزة المتخلق بها ، فلذلك ذكرنا أخلاق المريدين فقط لأنها هي الطريق المسلوكة الآن ، وهيهات أن يصل أحدنا الآن إلى مقام مريد ، فالحمد للّه رب العالمين ، ولنشرع في مقدمة الرسالة ؛ فأقول وباللّه التوفيق : مقدمة : تشتمل على جملة من عقائد القوم وبيان موافقتها لعقائد أهل السنة والجماعة وعلى بيان سند القوم في تلقينهم الذكر وعلى سندهم في إلباسهم الخرقة للمريد وعلى بيان جملة من آداب الذكر . اعلم يا أخي أن القوم أجمعوا على أن اللّه تعالى إله واحد لا ثاني له ، منزه عن الصاحبة والولد ، مالك لا شريك له ، صانع لا مدبر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده . بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو تعالى موجود بذاته ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق مستمر قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهة والأقطار ، مرثيّ بالقلوب والأبصار ، استوى تعالى على عرشه كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده ، كما أن العرش وما حواه به استوى له الآخرة والأولى ، ليس له مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول ، لا يحده زمان ، ولا يقله مكان ، هو الآن على ما عليه كان ، خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال : أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات ولا يرجع إليه صفة لم يكن عليها من صفة المصنوعات ، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون قبله أو يكون