علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

338

نسمات الأسحار

هجاؤهم المشركين أمرّ من رمى السهام كما في الحديث ، فهل في زمانك من يهجو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لتجيب عنه كما أجاب حسان وأشباهه ، فإن قلت : العلة الجامعة مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنقول : الكلام ليس في هذا ، وإنما الكلام في الأشعار الفراقية ، والقصائد الغزلية ، أما مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعين الذكر ، ومن أفضل العبادات إذا كان على أصله ، أما مداح الزمان فإن كان واعظا فجل قصده المراءاة بصوته ، واستمالة وجوه النساء والرجال إليه ، والتزاحم عليه كما شاهدناه ، فتخبر المرأة صاحبتها أن فلانا الواعظ له صوت يرمى الطير ، فتميل إلى رؤيته وسماع صوته ، فتخرج بغير إذن زوجها عاصية للّه ورسوله فإذا رأى مجلسه قد غص بالنساء أعجب بصوته في إنشاده ، هل كان حسان وأشباهه في مجلسهم نساء كما في مجلس هذا المنشد ، وإن كان المادح غير الواعظ ففيه أيضا خلق الرياء والسمعة والحسد لقرينه وزيادة أخرى ، وهي أنه جعل مدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شبكة يصيد بها أموال النساء والرجال ، أهكذا كان حسان ؟ وليته اشتغل بمدح رسول اللّه فقط بل يختم إنشاده بالغرامى الذي هو عين النواح المحرم الملعون فاعله ، ويهيج به على الحاضرين أخلاقا خبيثة من السخط على اللّه ، وعدم الرضا بحكمه ، فتقول المرأة إذا سمعت تعديد شمائل الأموات ، وكان قد مات لها ولد أو والد ، أو زوج ، أو قريب يا رب لم أخذت ولدى ، ومن أقرانه ابن فلانة لم تأخذه ، وبيت فلان لهم كذا وكذا من الأولاد ، فاثلم منهم أحد ما رأيت إلا شقفى ولقفى فأخذت وحيدى أنا شكل عن جيراني في كلام قبيح حرام ، يلزم منه نسبة الظلم والجور إلى اللّه تعالى تنزه وتقدس سبحانه وتعالى ، وكذلك من مات زوجها تحسد من لم يمت زوجها من جيرانها ، والمهيج لهذا كله هو المنشد الفاسق ، سواء كان الواعظ أو غيره الملعون على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه قال عليه الصلاة والسلام : « لعن اللّه النائحة » ، والنوح عبارة عن كلام مؤلف يشتمل على تعداد شمائل الميت ، وهو موجود في العراقيات ، ويخشى على هذا المسكين أن يحشر غدا في زمرة النائحات لابسا سربالا من جرب قطران ، ودرعا من جرب ، كما رواه مسلم في حق النائحة ، وجاء أنها تنوح في جهنم كما ينوح الكلب بعيدا من سيد الأولين ، فإنه عليه الصلاة والسلام تبرأ من النائحة وقال : « ليس منا من شق الجيوب ولطم