علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
337
نسمات الأسحار
محمودا واضح ، وإنما الإشكال في وجه كونه مذموما . فاعلم أن المقصود من معرفة رجال الحديث صحته وضعفه وما في معناهما ، وهذا شئ لا يحتاج إليه في البخاري لأنه متفق على صحته ، وقوة رجاله ، فالاشتغال بسرد أسمائهم ، ومدة أعمارهم تضييع للعمر بلا فائدة ، وإنما القصد منه إظهار قوة الحفظ ، وكثرة النقل ليقال : فلان عالم حافظ متقن ماهر ، والعمل ليقال رياء ولا شك في كونه مذموما ، وكذلك في النحو ونحوه على رؤوس العوام الذين لا يفهمون معناه عين الحمق والبطالة ، فإن فرض أنه حضر المجلس من يفهمه فتضييع الوقت في حق مائة رجل لرجل أو اثنين سفه وبطالة ، وإنما الباعث عليه حب المدحة والرياء والسمعة ، وانتشار الصيت والعجب بكثرة ما عنده من الفنون ، وكلها أخلاق مذمومة . القسم الثاني : قوم لهم أصوات حسنة وجل قصدهم إنشاد الأشعار بالألحان وذكر الفراق ، ليرتفع بكاء النسوان . والقسم الأول حالهم أصلح من هؤلاء ، وإن كان مذموما ، فإن هؤلاء زنادقة في زي فقهاء ، جهال في شكل علماء عصاة للّه ورسوله من وجوه شتى منها : مخالفتهم كما كان عليه صلى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه من النصح لخلق اللّه ، وتعليمهم دينهم . ومنها : مراءاتهم بأصواتهم ، وعجبهم بها . ومنها : إنشادهم الشعر الذي هو قرآن الشيطان في بيت اللّه تعالى الذي بنى للذكر والتسبيح والعبادة قال تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ولعل بعضهم يستدل على إنشاد الشعر بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان ينصب لحسان بن ثابت منبرا ينشد عليه الشعر ، يمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبأنه صلى اللّه عليه وسلم كان له شعراء كعبد اللّه بن رواحة وغيره ، وكانوا ينشدون الشعر في مسجده صلى اللّه عليه وسلم ، فاعلم أن من شرط القياس وجود العلة الجامعة ، فإن حسانا رضى اللّه عنه وأشباهه كانوا يردون على المشركين هجاءهم ، ويجيبون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك جهاد مأمور به ، فإن الجهاد كما يكون بالسنان كذلك يكون باللسان ، قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 73 ] فجهاد المنافقين كان باللسان لا بالسيف والسنان ، وحسان وأشباهه كانوا يجاهدون بأسلحتهم وألسنتهم ، وكان