علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

309

نسمات الأسحار

فِيها الآية [ هود : 15 ] . وقال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ الآية [ الإسراء : 18 ] . ثم قال تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها [ الإسراء : 19 ] . فتأمل قوله سبحانه وتعالى : وَسَعى لَها سَعْيَها رفض الدنيا لأن الدنيا والآخرة ضرتان لا تجتمعان ، من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، وفي الحديث : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » . لا جرم رفضها القوم قبل أن ترفضهم وتركوها قبل أن تتركهم فهنئيا لهم ، ألحقنا اللّه بهم ووفقنا لما وفقهم ، وبصرنا كما بصرهم ، فهم كما قيل فيهم : إن لله عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحى وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها السفنا كانت الدنيا لناس قبلنا * رحلوا عنها وأخلوها لنا سوف نسكنها قليلا بعدهم * ثم نخليها كما خليت لنا وعلى الجملة : فسيدى الشيخ المغربي ذكره اللّه تعالى بالصالحات ممن تركها بعد أن توغل فيها ، وتجرد منها بعد أن قيدت له ، وخلعها قبل أن تخلعه فلقد كان ينام في أشد البرد على غير فراش ، وغير مخدة وبغير غطاء ، وكنا نعجز منه أن نجيئه بفراش أو غطاء ونحوه فيأبى ويقول : إن وجدت هذا اليوم أين أجده غدا ؟ وإنما كان عليه عباءة وفروة وقميصين إلى أنصاف ساقيه ، ثم ألح عليه بعض أصحابنا فكان يضع قطيفة على رجليه ، فجزاه اللّه خيرا ، وكان قد توغل في أعلى رياساتها التي هي الملك والخدم والحشم والخيل المسومة والملابس المنعمة ، ولقد كان في بعض الأيام عندنا يأكل الخبز سخنا بلا إدام ، ويقول : إذا كان الخبز سخنا لا يحتاج إلى إدام ، وله أحوال حسنة ، وشدة في دين اللّه تعالى وغيرة له سبحانه ، ورأفة

--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه البيهقي في الشعب ( 7 / 10501 ) عن الحسن وضعفه الألبانى في الجامع ( 2678 ) .