علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

305

نسمات الأسحار

بالسلوك على يد شيخ صالح ، فرب عارف بربه ، وهو في زماننا نادر الوجود كالكبريت الأحمر . فإن قلت : هذا ظن والظن السيئ بالمسلم حرام . فاعلم أن اللّه سبحانه وتعالى جعل القلوب كالقدور والأواني ، وجعل الألسنة كالمغارف ، فكما أن المغرفة هي وسيلة إلى العلم بما في القدر والإناء ، فكذلك اللسان ترجمان كاشف عما في الجنان ، فما كان في القلب ترشح على الأعضاء ، ومنها الألسنة ، ويدلك على أن فساد اللسان وغيره يدل على فساد القلب قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » « 1 » . فالحكم على ما جرى به اللسان الذي هو ترجمان القلب بالحس لا بالظن واللّه أعلم . فحصل من هذا أن الشيطان يلبس على كل إنسان ويغره ويقوده بما هو فيه ، وهذه نبذة من أشياء عديدة من تلبساته على العلماء ، وقد أشار إلى بعضها ابن الجوزي في كتاب له في هذا المعنى ، إذ لو أتى إلى العالم مثلا ، وأمره بالزنا أو شرب الخمر أو القتل لفطن به ، وعرف مكيدته ، لكنه يأمره بالكبر والتخلق به بمسارقة خفية ، فيحسن له حفظه المتون ، وإتقان المسائل ، وتحرير الفروع وغير ذلك ، فيعجبه ما هو فيه ، فهنالك يقول له : من مثلك في هذا الزمان ؟ أنت فريد عصرك ، ونادرة وقتك ، فتسكن نفسه لذلك فيفرح فيملك عليه كما ملك على قارون قبله ، حين قال له قومه : لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ الآية [ القصص : 76 ] . فأجابهم : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] . فكان عاقبته أن خسف اللّه تعالى به الأرض كما قال تعالى : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ [ القصص : 81 ] .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 1 / 20 ) ، ومسلم في صحيحه ( 1599 ) ، وأحمد في مسنده ( 4 / 270 ) عن النعمان بن بشير . كلهم طرفا في حديث .