علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
306
نسمات الأسحار
فكذلك يخشى على هذا العالم المتعجب بعلمه أن يحشر في زمرة قارون ، لأن من تشبه بقوم فهو منهم ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، اللهم اعصمنا ومشايخنا وسائر المسلمين بمنك وكرمك من مكائد الشيطان اللعين ، يا عجبا من جهل العالم الفرح بعلمه ، المثنى على نفسه ، الراضي عنها ، كيف كفر نعمة ربه سبحانه وتعالى ، ولم يشكر عليها ، فإن الشكر نسبة النعم إلى المنعم ، وهذا نسب العلم إلى نفسه فقال : هذا من استخراجى واستنباطى وتحريرى ، ولم أسبق إلى هذا ، ولا ألحق إليه هذا لعمري هو الخسران المبين ، والضلال البعيد . ويحك أيها المسكين وأما بنعمة ربك فحدث ، وأنى لك العلم واللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى اللّه ، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه ، وأي متابعة فوق دعوى العلم بالغيب ، الذي تفرد به اللّه تعالى ، فإن قوله عند تحرير مسألة والإتقان لها ؛ لم أسبق إلى هذا ولا ألحق . حكم على الغيب سواء قال هذا بلسان قاله أو بلسان حاله . قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ] . ويحك أيها المسكين أين أنت من قول المدبر الحكيم ؟ وفوق كل ذي علم عليم وإن أعماك عن تدبر هذا الشيطان فلا تغفل عن قصة الكليم موسى بن عمران حين قال : أنا ، وحاشاه صلى اللّه عليه وسلم أن يكون قالها في معرض العجب والتكبر ، ثم حاشاه ، وإنما يحمل قوله هذا واللّه أعلم على ما غلب على ظنه ، ومع هذا عتب عليه حيث لم يكل العلم إليه سبحانه ، فقال له : تأديبا وغيرة عليه ، والحبيب يغار على حبيبه ، بلى عبدنا خضر ، وانظر في إنصاف الكليم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، حيث نزل نفسه منزلة الطالب ، وسأل السبيل إلى لقيه ، ليزداد علما إلى علمه ، وفضلا إلى فضله ، أتراك أيها المسكين إذا سمعت بمن هو دونك في الرتبة ، وعنده فضيلة زائدة على ما عندك ، تتركك نفسك الخبيثة تسعى إليه ، وتجثوا على ركبتك بين يديه ، وتسلم له ولا تعترض عليه هيهات هيهات ، لا يتركك الشيطان تنال هذه المنزلة الرفيعة بل يحسن لك ما أنت فيه ، ويوسوس إليك ويقول : إن ذهبت إليه أكب عليه الناس ، وانحط قدرك عندهم ، وخمل ذكرك