علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
304
نسمات الأسحار
أقرانهم خشية من سقوط رتبتهم عند أصحابهم وإخوانهم فباللّه عليك أنسب أذى الثوم والبصل إلى أذى الغيبة والبهتان ، وأين من أين عافانا اللّه وسائر المسلمين من استحواذ الشيطان ، فكيف يصح أن ينسب إلى وراثة سيد الأولين والآخرين صلى اللّه عليه وسلم من هذه صفته ، والعادة تقتضى غالبا أن الوارث يقوم مقام مورثه فيما كان عليه ، وإلا كاد أن يكون سفيها مبذرا فيحجر عليه لا جرم عاد نور العلم مكسوفا بأخلاقنا الذميمة . كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] ، فإن قلت : ربما يكون قول العالم في قرينه بطريق النصح للمسلمين لاحتمال أن يكون الذي قال فيه ما قال مدعيا فوق رتبته ، وطالبا فوق درجته وورد عن عائشة : « أمرنا أن ننزل الناس منازلهم » « 1 » . وعلى هذا مشى أهل الجرح والتعديل من العلماء المتقدمين . فالجواب : أن هذا من تلبيسات الشيطان على كثير من علماء الزمان ليتوصلوا بذلك إلى مقاصدهم الفاسدة من الرفعة في المجالس ، وانتشار الصيت والذكر ، وباعثه الحسد المجرد ، الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، عافانا اللّه من ذلك . وأما ما ورد عن عائشة رضى اللّه عنها فصحيح خرجه مسلم رحمه اللّه في صحيحه ، ولكن إنما يسوغ هذا لمن جاهد نفسه ، وعرف دسائسها ، ولم يكن له في الكلام حظ بوجه ما ، وإنما قصده النصح المجرد والشفقة على المسلمين ، وهذا هو الظن بالعلماء المتقدمين المتكلمين في الجرح والتعديل ليحرروا الحديث النبوي فقط لما يترب عليه ، أعنى على الحديث من الأحكام العامة الشاملة لجميع أهل الإسلام ، وأما ما شاهدناه من بعض علماء زماننا من سلب أعراض أقرانهم ، وإدخال الخلل في أقوالهم ، والعيب في أحوالهم ، فلمحض الرياسة ، ومجرد الحسد ، واستمرار الجاه ، وما في معنى ذلك ، وهذا كله مذموم . لا يعرف إلا
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه ( 4842 ) عن عائشة ، وأورده العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 590 ) وقال : رواه مسلم تعليقا في مقدمة صحيحه ووصله أبو نعيم في المستخرج وأبو داود وغيرهم من حديث ميمون بن أبي شبيب . ولفظ أبى داود « أنزلوا الناس منازلهم » .