علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
301
نسمات الأسحار
قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : 109 ] ، وقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : 27 ] . وإياك أن تقف في فهم كلام اللّه تعالى على تأويل واحد كما يتوهم بعض الناس ، وذلك مجهلة بما يصل إلى فهمه وحكمه بالظن على قدر علمه ، بل كلام اللّه تعالى بحر زاخر لا يدرك غوره ولا يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم ، والمراد بالعلم واللّه سبحانه وتعالى أعلم : العلم باللّه تعالى وبصفاته وبما يتعلق بذلك من العلوم النافعة التي ورثها الأنبياء عليهم صلوات اللّه وسلامه ، لا العلم الذي زينه الشيطان لأوليائه من صنعة الجدل وما يتعلق به مما اتخذ شركاء للدنيا ، وعلامته أنه لا يزداد العبد بالزيادة منه إلا قسوة وكبرا وعجبا وفخرا ، فمن هذه صفته ليس من العلماء باللّه تعالى بدليل : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] وقد قدمنا نبذا مما يتعلق بعلماء السوء آنفا فراجعه . قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ الروم : 6 ، 7 ] . فمن كان عالما باللّه فجّر اللّه ينابيع الحكمة في قلبه ، وكشف له في فهم كتابه عن أشياء ما رأها ذو كتب في كتبه بدليل : « من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يعلم » ومن هذا ما ورد عن علي رضى اللّه عنه كما نقل حجة الإسلام الغزالي في إحيائه لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين وقرا أو ما هذا معناه فحصل من هذا أن القرآن العزيز مشحون بالتحذير من اللعين الشيطان على أنه ليس له سبيل على عباد الرحمن بدليل قوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] . وقال تعالى : حاكيا عنه : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [ إبراهيم : 22 ] ، وقال : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [ سبأ : 21 ] . وإنما أضل أكثر الخلق بالغرور والتلبيس والتحسين والتدليس كما قال عز وجل