علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
302
نسمات الأسحار
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] ، وقال عز وجل : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [ الأعراف : 22 ] . وأعطاه اللّه تعالى أنواعا من الحيل والإضلال ، ومع هذا جعل كيده في غاية الضعف والضلال ، قال تعالى : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] فيجب على كل مؤمن باللّه واليوم الآخر أن يجاهد هذا العدو الكافر بالمخالفة وعدم الطاعة ، وأن يجتهد في ذلك على قدر الاستطاعة ، فإنه يأخذ كل إنسان ويقوده إلى السعير من الغدر الذي هو لائق به إلا من عصمه اللّه السميع البصير فيأتي إلى العالم من علمه والفقير من فقره ، والمحترف من حرفته ، والعاصي من معصيته كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً عصمنا اللّه من مكائده بمنه وكرمه ، فلا يأمر العالم مثلا بشرب الخمر ولا بالزنا ولا بما في معناهما ، وإنما يجيئه من الأمر الذي هو فيه ، ويتشكل في مرآة نفسه بأخلاقه الجهنمية التي منها الكبر والحسد والرياء والسمعة وغيرها ، فيفسد حلاوة علمه بمرارة أخلاقه الجهنمية فيتعلم العلم قاصدا به المدحة والصيت ، وانتشار الذكر ، وأن ذكر له من هو أعلى درجة منه أو أغزر علما تمغص وجهه ، واشتعلت نار الحسد في قلبه ، وأخذ يتتبع عثراته وينتقصه ، ويسرد عيوبه ، وينكت على ما وصله من كلامه ويعيبه ويغتابه ، ويقول : أكثرتم القول في شأن فلان وهو جاهل أحمق محب للدنيا بليد تيس حمار ، لا يدرك شيئا ، لا يفهم المسائل على وجهها من أشياخه ، لا يليق به إلا أن يكون تلميذا إلى غير هذا من الكلام الذي لا يجوز التلفظ به بنص الكتاب والسنة ، لأن هذا الكلام إما أن يكون صدقا أو كذبا ، فإن كان صادقا فيه فقد اغتابه لأن الغيبة ذكر الشخص المعين بما يكره ، وكان فيه ، ولا يخفى تحريمها من الكتاب والسنة بل ورد في بعض الأحاديث أنها أشد من ثلاثين زنية في الإسلام ، وإنما كانت أشد لأن الزنا إذا تيب منه قبلت التوبة لأنه من حقوق اللّه ، والغيبة لا تقبل التوبة منها إلا بشروط منها : أن يذهب إلى الذي اغتابه ويخبره بما تكلم في غيبته ويتحلل منه وغير ذلك كما هو معروف في موضعه على الراجح ، وإنما احتيج فيها إلى هذه الشروط لأنه حق آدمي مبنى على المسامحة ، وحق اللّه مبنى على المسامحة ، وإن كان كاذبا فيما قاله فقد بهته ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد