علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

242

نسمات الأسحار

الجسمية والمسافة المحظورة في القرب كان هذا القرب محمولا على القربة والمكانة والمنزل . قال بعضهم : دنى محمد صلى اللّه عليه وسلم من العرش ثم جاوز الحجب والسرادقات لا يقله مكان ، وهو قائم بإذن اللّه تعالى كالمتعلق لا يثبت قدمه على شئ ، قال الدامغاني : دنى من الحق ونأى عن الخلق ، ودنى من القدوس ، ونأى عن النفوس ، دنى من العرش ، ونأى عن الفرش ، دنى من الكرسي ونأى عن العالم الإنسى ، دنى من حبيبه ، ونأى عن نسيبه ، دنو زلفة لا دنو ألفة ، دنو إكرام لا دنو أجسام ، دنو إجابة لا دنو قرابة ، دنوا استماع لا دنو اجتماع ، وسئل الجنيد عن هذا الدنو فقال : دنو القلوب من المحبوب ، دنى محمد صلى اللّه عليه وسلم من ربه فتدلى عليه الوحي من ربه دنو لطافة ، وتدلى رحمة ورأفة لا يوصف بقطع مفازة ومسافة ، قد ذهب البين من البين ، وتلاشى الكيف واضمحل الأين فكان قاب قوسين ، فلو اقتصر على قاب قوسين لاحتمل أن يكون للرب مكانا ، فلما قال : أَوْ أَدْنى نفى المكان فنودي يا محمد تقدم . سئل بعض الأكابر عن هذا المقام فقال : كيف أصف مقاما انقطع عنه جبريل وميكائيل وإسرافيل والملائكة المقربون ، ولم يكن إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم وربه ناداه ، يا محمد انظر فنظر فرأى نورا ساطعا فقال : ما هذا النور ؟ قيل ليس هذا نور هذه جنة الفردوس لما ارتقيت صارت في مقابلة أخمص قدميك مثل النور يا محمد انظر فرأى دخانا مظلك فقال : ما هذا ؟ فقيل هذه النيران صارت في مقابلة قدمك مثل الدخان ، يا محمد ما دمت في حيز الأين فجبريل دليلك ، والبراق مركبك وأما إذا انتقى المكان وغبت عن الأكوان وفنى الأين ، ولم يبق إلا قاب قوسين فأنا الآن دليلك يا محمد ها أنا أفتح لك الباب ، وأرفع لك الحجاب وأسمعك أطيب الخطاب ، وأسقيك أعذب الشراب يا محمد أنت في عالم الوجود وجدتنى تحقيقا وإيقانا ووجدتنى في عالم الشهود مشاهدة وعيانا ، فقال : أعوذ بعفوك من عقوبتك ، فقيل هذا لعصاة أمتك ليس هذا حقيقة مدحي ، فقال : لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، فقال : يا محمد إذ كلّ لسانك عن العبارة فلأكسونه بدرع صدق ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، وإذ ضلّ عيانا عن الإشارة