علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

23

نسمات الأسحار

قال ابن عمار : فاستيقظت من منامي مرعوبا لا أجيب ، وقلت : إن هذا لشئ عجيب ، هذا أمر ما أظنه يكون فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، فكيف تروى الأحاديث الصحاح على غير أهل الصلاح وكيف يتلى القرآن بين الدنان والأقداح ، أم كيف تجلى عرائس الأذكار والآيات على أهل الخمور في الحانات ، فأعدت الوضوء وصليت ركعتين ثم نمت ، فإذا بالملك وقد عاد قال : يا ابن عمار يا منصور قم وتكلم فما جئت إلا بإذن الملك الغفور ، ويقول لك : قم وتكلم في الحان وعلينا الضمان فاستيقظت من منامي وأنا من هذا الأمر أتعجب وأتفكر وقلت : أريد حمالا للمنبر وإذا بطارق يطرق الباب فقلت : من ؟ قال : يا سيدي أنا حمال المنبر أتريد أن أنصب لك المنبر في الحان أم بين الدنان ، فقلت : ومن كشف لك عن هذا السر المصون ؟ قال : الذي يقول للشئ كن فيكون . اعلم يا أخي أن الملك الذي جاءك البارحة جاء إلىّ بعدك وقلدنى الأمانة وأمرني أن أنصب لك المنبر في الحان قلت : حبيبي إن كان الأمر كما تقول فافعل ما أمر به الرسول فلما أسفر الصباح ونشر عطره الفياح سارعت إلى امتثال الأوامر فإذا شيوخ الحان قد عقدوا ألذّ ساكر ، فصعدت منبرى بين جلّاسى وأطرقت ساعة ثم رفعت رأسي فقلت : الحمد للّه الذي جذب قلوب أحبابه إلى حضرة اقترابه وأدخلهم إلى حان وصله وسقاهم شراب عتابه وشغلهم به عمن سواه والمحبّ لا يشتغل بغير أحبابه وتجلى عليهم فدهشوا عند مشاهدته ولذيذ خطابه فيا أيها السكارى بخمر الهوى لو دخلتم إلى حان الحب وعانيتم دنان القرب لرأيتم رجال الوقار في حضرة الملك الغفار ، وأقداح الأفراح عليهم تدار وكاسات المصافاة تغنيهم عن شرب العقار فأقداحهم أفراحهم وخمارهم أذكارهم وريحانهم قرآنهم ووردهم وردهم وشمعهم سمعهم ومزمارهم استغفارهم ، فلما جن عليهم الليل وغابت عنهم الأغيار تجلى عليهم الملك الجبار ورفع لهم الحجب وكشف لهم الأستار فعند ذلك شاهدوا جمالا لا تكفيه العقول ولا تمثله الأفكار فتأملوا يا أولى الألباب كم بين القشر واللباب ، واعلموا أن محرك أغصان القلوب الجامع بين الأحباب ما أمرني بالجلوس في هذا المكان إلا وقد عفى عما كان من الذنوب والعصيان وقد جاد بالعفو والرضى ، وقد صفح عما كان مضى وسامح الجاني وقبل المطرود العاني . فالمحبوب قد حضر وبعين الرضا إليكم قد نظر وقد انتهت إليكم التوبة . فهل فيكم من يعزم على