علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
127
نسمات الأسحار
وتدارك السامع خوف الفساد ، فأتى بالتكميل مراعاة لمقتضى الحال فقال : وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [ لقمان : 15 ] ، ثم أردفه بتكميل ثان كما هو واضح عند أهل البيان والمعاني فقال : تعليما لك وتعريفا وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ لقمان : 15 ] فسبحان اللّه ما أبلغ هذا الكلام وما أحسن نظامه من نظام كيف راعى المقامات مقام بعد مقام ، فانظر لما كان الشرك سيىء الاعتقاد وداعية إلى الفساد نهى اللّه تعالى عن طاعته في العصيان ثم أردفه خوف المشاققة والمقاطعة بالكلية بالأمر بالمصاحبة بالمعروف والإحسان ، وفيه إشارة لأهل العرفان ، كأنه جل جلاله يقول : ما أمرتك باللطف وحسن المعاشرة للشرك وأهل الأوثان إلا لتعلم رأفتي ورحمتي خصوصا بأهل الإيمان ولهذا أردفه بقوله : وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [ لقمان : 15 ] يعنى به سيد ولد عدنان وأصحابه رضى اللّه عنهم وعن التابعين لهم بإحسان . وبالجملة فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً الآية . نزلت هذه الآية والتي في سورة العنكبوت والأحقاف في سعد بن أبي وقاص وكان من السابقين الأولين وكان بارا بأمه واسمها حمنة بنت أبي سفيان فلما أسلم قالت له أمه : ما هذا الذي أحدثت واللّه لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر ، ويقال : يا قاتل أمه . ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوما آخر وليلة فجاء سعد إليها وقال : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلى وإن شئت لا تأكلي فلما آيست منه أكلت وشربت فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات ومن ألطف الآيات في هذا الباب قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . . [ الإسراء : 23 ] . اعلم أن القضاء أتى في القرآن على معان كثيرة : بمعنى الفراغ من الشئ : قال تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [ البقرة : 200 ] أي فرغتم منها . وبمعنى تمام الشئ : قال تعالى : لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى [ الأنعام : 60 ] ، وبمعنى الفصل : قال تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ يونس : 54 ] ، أي فصل بينهم .