علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
121
نسمات الأسحار
تعالى ، فضحك الملك وقال : ما تدرون ما أراد بشتمه إياي ، أراد أن يغضبنى فأعجل في قتله وليخطئنه ذلك فأمر به فخر جلد حلقه ثم أمر أن يسلخ جلد رأسه فسلخوه ، ولم يزل يقتل كل واحد منهم بنوع غير قتل أخيه حتى بقي أصغرهم ، فالتفت إليه وإلى أمه فقال لها : قد رأيت لك اليوم مما رأيت فانطلقى بابنك هذا ، وخلّى به وراوديه على أكل لقمة واحدة فيعيش لك قالت : نعم فخلت به ، فقالت : أي بنى تعلم أنى أرضعت كل واحد منهم حولين فمات أبوك وأنت حمل فأرضعتك لضعفك ورحمتي عليك أربعة أحوال فأسألك بحقي عليك وباللّه عليك ألا ما صبرت ولا تأكل لحم الخنزير ولا تلقين أخوتك يوم القيامة ولست معهم فقال : الحمد للّه الذي أسمعنى هذا منك وإنما كنت أخاف أن تريدينى على أن آكله ثم جاءت به إلى الملك وقالت : ها هو قد راودته ، وعرضت عليه فأمر الملك أن يأكل فقال : ما كنت آكل ما حرم اللّه تعالى فقتله وألحقه بإخوته ، وقال لأمهم : إني أجدني أرى لك ما رأيت اليوم ويحك فكلى لقمة ثم أصنع بك ما شئت وأعطيك ما أحببتى ، فقالت : أأجمع بين ثكل ولدى وبين معصية اللّه تعالى فلو حييت بعدهم ما أردت الحياة ، وما كنت لآكل شيئا مما حرمه اللّه أبدا فقتلها وألحقها ببنيها رضى اللّه عنهم وعنها فسبحان الموفى إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] . وفي الصبر آثار حسنة لكن سأعقد له فصلا مستقلا إن شاء اللّه تعالى . وبالجملة فكراماتهم ثابتة عقلا ونقلا ولو ذكرنا قصة مريم وقصة أصحاب الكهف وغير ذلك لطال الكتاب ، ومن لم يستضئ بمصباح لا يستضىء بإصباح . فنسأل اللّه تعالى أن يتوفنا مسلمين وأن يلحقنا برحمته بالصالحين إنه قريب مجيب للسائلين . فائدة نختم بها الفصل : اعلم أن من حديث أصحاب الأخدود فوائد منها : إثبات كرامات الأولياء وجواز الكذب في الحرب ونحوها ، وإنقاذ النفس من الهلاك سواء نفسه ونفس غيره ممن له حرمة .