علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
113
نسمات الأسحار
إلى ربك نائما ويقظانا وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل وإياك أن يتصرف بك من عند اللّه فيكون آخر العهد ، وانقطاع الرجاء منك ، فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه فقال عمر : ما أقدمك ؟ قال : خلعت قلبي بكتابك لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى اللّه تعالى ، فبكى الرشيد بكاء شديدا ثم قال : زدني ، فقال : إن العباس عم النبي صلى اللّه عليه وسلم جاءه فقال له : يا رسول اللّه أمرني . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة » « 1 » ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل ، فبكى الرشيد بكاء شديدا حتى غشى عليه ثم قال : زدني ، فقال له الفضيل : يا حسن الوجه أنت الذي يسألك اللّه يوم القيامة عن هذا الخلق فإن استطعت أن تقى هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسى وفي قلبك غش لرعيتك فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة » « 2 » فبكى الرشيد بكاء شديدا ثم قال له : أعليك دين قال : دين لربى لم يحاسبنى عليه طوبى لي والويل لي إن لم يلهمنى حجة ، فقال الرشيد : إنما أعنى دين العباد ، فقال الفضيل : إن ربى لم يأمرني بهذا إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 56 ، 57 ] فقال الرشيد : هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عبادة ربك ، فقال الفضيل : أنا أدلك على النجاة وتكافئنى بمثل هذا ثم صمت ولم يكلمنا فخرجنا فقال الرشيد : إذا دليتنى فدلني على مثل هذا ، هذا سيد المسلمين اليوم . فدخلت امرأة من نسائه عقبهم فقالت له : ألا ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فانفرجنا به ، فقال : مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه ، فلما سمع الرشيد ذلك قال : ادخل عسى أن يقبل المال . قال : فدخلنا فلما علم بنا صعد إلى السطح فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فخرجت سوداء ، فقالت : يا هذا قد آذيت الشيخ هذه الليلة فانصرف رحمك اللّه . فرضى اللّه عنهم أخبارهم في مثل هذا كثيرة جدا وقد ذكرنا في فصل الدخول
--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ( 8 / 107 ) ، في حديث طويل طرفا فيه . ( 2 ) سبق تخريجه في الحديث السابق .