علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
114
نسمات الأسحار
على الحكام بعض شئ فراجعه وإنما هذه مواهب سماوية ونفحات رحمانية يهبها لمن علم أهليته وأمانته وعبوديته وصيانته . ذكر القشيري في رسالته أن يوسف بن الحسين قال : بلغني أن ذا النون يعلم اسم اللّه الأعظم فخرجت من مكة إليه قاصدا حتى وافيته في جيزة مصر فلما بصر بي رآني طويل اللحية متزرا بمئزر على كتفي وفي يدي ركوة وبرجلي تاسومة فكأنه استبشع منظرى ، فلما سلمت عليه لم أر منه تلك البشاشة ، فقلت في نفسي : ترى فيمن وقعت ، فجلست عنده ، فلما كان بعد يومين أو ثلاث جاء رجل من المتكلمين فناظره في شئ من الكلام فاستظهر على ذي النون فغلبه فأغمنى ذلك ، فتقدمت فجلست بين أيديهما فاستقبلت المتكلم فناظرته حتى قطعته ، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي ، فتعجب ذو النون من ذلك وكان شيخا وأنا شاب ، فقام من مكانه فجلس بين يدي وقال : اعذرنى فإني لم أعرف محلك من العلم ، وأنت آثر الناس عندي ، وما زال بعد ذلك يبجلنى ويرفعني على أكثر أصحابه حتى بقيت على ذلك سنة كاملة ، فقلت له بعد ذلك : يا أستاذ أنا رجل غريب وقد اشتقت إلى أهلي وقد خدمتك سنة وربما وجب لي عليك حق الخدمة ، وقد قيل لي : أنك تعلم اسم اللّه الأعظم ، وقد جربتنى وعرفت أنى أهل لذلك فإن كنت تعلمه فعرفني إياه ، قال : فسكت عنى ولم يجبني بشئ وأوهمنى أنه ربما علمني فسكت سنة أخرى ، فقال لي : يا أبا يعقوب أليس تعرف فلانا صديقنا بالفسطاط وسماه لي . فقلت : بلى ، قال : فأخرج إلىّ من بيته طبقا فوقه مكبة مشدودة بمنديل فقال لي : أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط ، فأخذت الطبق لأؤديه فإذا هو خفيف كأن ليس فيه شئ ، فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة قلت في نفسي : يوجه ذو النون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شئ تاللّه لأبصرن ما فيه ، فحللت المنديل ورفعت المكبة فإذا فأرة قد نفرت من الطبق ، فاغتظت وقلت : سخر بي ذو النون ولم يذهب ، وهمّ إلىّ ما أراد في تلك الساعة فرجعت إليه مغضبا ، فلما رآني تبسم وعرف القضية ، وقال : يا مجنون ائتمنتك على فأرة فخنتنى ، فكيف أئتمنك على الاسم الأعظم ؟ قم عنى فارتحل ، ولا أراك بعد ذلك ، فانصرفت عنه خجلا ، فتأمل بصيرة ذي النون وامتحانه .