مجموعة مؤلفين
516
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وكقولهم عندما رأوا أنه تعالى لا يخلو شيء عنه أن العارف لا يكون عارفا حتى يرى هوية الحق سارية في كل شيء ، أي : بلا سريان بعد فناء كل شيء في العيان . ومن هنا قال الصديق الأكبر رضي اللّه عنه : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله أو بعده أو فيه » ، كما نقل عنه ذلك ثقات هذه الطائفة ، وهذا بظاهره حلول كما أن الأول بظاهره صفة وأمر اعتباري ، وكقول الشيخ الأكبر عندما رأى أن كل شيء لا بدّ وأن يرجع بباطنه إلى الحق شعرا « 1 » : الربّ حقّ والعبد حق * يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت * أو قلت رب أني يكلف وهذا بظاهره اتحاد وشرك ؛ فبهذا وأمثاله غلط من غلط ، وهم قسمان : متصوفة مشغوفون بمطالعة كتب القوم ، ويتكلمون بما يتكلمون به ، وهم جهلة لا يدرون مبادئ العلم ، فضلا عن مقاصده ، ويزعمون أنهم على الحاصل ، وهم على الفايت ، وهؤلاء هم الجهلة المارقون من الدين ، يصدق عليهم قوله تعالى : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] ، ومثل هؤلاء يكونون علة غائية للتكلم ، والاعتراض على القوم . والقسم الثاني : من هو من أهل العلم إلا أنهم ليس لهم هذا المشرب العذب ؛ فيسمع كلاما ظاهره الحلول أو الاتحاد أو أنه مخالف لظاهر الشريعة في الجملة ؛ فيقول على القوم بحسب ما ظهر له من كلامهم : إنهم حلولية أو اتحادية أو إباحية أو وجودية أو زنادقة ، وحاشا مقامهم من ذلك .
--> ( 1 ) انظر : الفتوحات المكية ( 2 / 177 ) .