مجموعة مؤلفين

515

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

مسألة : قولهم أن « الوجود من حيث هو هو هو الحق » ، أي : يعبرون عنه تعالى بهذا الوجود حيث لم يكن شيء ترجع إليه كل الأشياء في جميع مراتبها إلا هذا الوجود المطلق عن كل قيد حتى عن قيد الإطلاق ؛ فإنه تقييد له ، وهو أيضا المتقيد بكل قيد أي : من حيث التجلي والظهور كما مرّ . ثم ليعلم أن إدراك علم التصوف يكون بأحد طريقين ؛ الطريق الأول : وهو الأعلى هو الذوق والحصول بالنفث في الروع ، والثاني : يكون بالأخذ من الكتب المدونة للقوم إما بالفتح الإلهي أو بتعليم شيخ عالم به أو ذائق ، وهذا الوجه يعد من الكشف كما ذكره حضرة الشيخ في « فتوحاته المكية » ، ولا خفاء فيه ؛ لأنه علم ، والعلم صفة تكشف بها المعلومات ، وقد أمر رضي اللّه عنه هو وغيره من سادات القوم بمطالعة كتبهم لمتهيئ لفهمها على وجهها ، ومؤمن بها . وأما نهى بعض المشايخ لبعض تلامذته عن مطالعتها ؛ فإما لعدم أهليته ، فخوفا على زيغ عقيدته نهاه عنها ، أو لأنه يشغله ذلك عما أمره به من الأوراد حالة السلوك ؛ فهو أنفع له من غيره ، كما ذكره سيدي العارف النابلسي في شرح « ديوان ابن الفارض » وغيره ، والطريق الأول عليه المعول ؛ فإن الطريق الثاني لا يخلو عن خبط وحيرة . ثم إن أهل الكشف والشهود لما رأوا الحال على ما هو عليه في الأمر الإلهي ؛ عبروا عنه بألفاظ كيفما اتفق ، ولم يتحاشوا عما يرد على ظواهرها ، كقولهم : إن الحق تعالى هو الوجود من حيث هو هو ؛ فإنهم بالمشاهدة والعيان رأوا أن الحق تعالى الواجب الوجود هو الذي قامت به السماوات والأرض ، وما بينهما بل هو قيوم كل شيء ، فلم يروا شيئا يعم هذا الأمر ، ويناسبه إلا الوجود المنزه عن كل قيد ؛ فعبروا عنه بهذا اللفظ ،