مجموعة مؤلفين

451

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

بداية ، وتوسّط ، ونهاية . فمن ارتقى فيه إلى درجة علم اليقين ؛ سلم من داء العجب والرياء وأشباهما بيقين ، ومن وصل فيه إلى رتبة عين اليقين ؛ دخل الجنة المعجّلة للمتّقين ، ومن جاوزها إلى منزلة حق اليقين ؛ غاب بشهود أفعال الحق عن شهود أفعال المكلّفين ، ولم ير إلا الفاعل المختار آناء الليل ، وأطراف النهار . ولهذا الشهود رواف ممدود ، وأذواق عليّة ، وأتواق جليّة ، وأشار إليها عارف الزمان سيدي أرسلان قدّس اللّه سرّه المصان في رسالته الصافية الأذنان . ولا تدرك بعض هذه الأذواق إلا بالجد والاجتهاد على طريقها المعتاد بالتوجيهات ، والمنازل القلبية الواسعة ، وأردان الإمداد لا بمجرّد العلم ، فإن الذوق فوقه بدرجات تعنى وتراد ، وتبدو لديّ صفات مرآة البصيرة بالأذكار والأوراد ؛ وهذا حال الصوفية ؛ أهل المراتب الوفيّة ، المتخلّقين بالأخلاق المحمّديّة ؛ من رضا وعفاف ، وصبر وكفاف ، وغير ذلك من سمات مرضية مصاحبة لهم كل حين إلى أن يدركم داعي اليقين ؛ وهو الموت الحقيقي لا المجازي . أيّها الأمين على أسرار الشرع المتين ، ثم بعد هذا التحقيق الأسمى ينشقه المربّي عرف توحيد الأسماء حتى يصطلم تحت أنوارها ، ويغيب بلوامع هوامع أطوارها ، وإذا طاب وغاب ، وامتلأ بأسرارها منه الوطاب ، رأى بحرها كله عجب ، وبرّها منبت بالأحبّا ، يمّها واسع المدّ محيط ، وبرّها شاسع به الفكر لا يحيط . وهنا يشاهد كل اسم إلهي اتصال بالأسماء كلها ، فيتعلق بها فردا فردا ، ثم يتحقّق كذلك ؛ ليشهد أسرارها تهدّي ، وله تهدّي ، ثم يتخلّق بها تخلّقا تاما ، فيفهم منها أمرا خاصا وعاما ، ويعاين مددا طاما ، وإسعادا آمّا .