مجموعة مؤلفين
371
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
--> - ولو جاز إطلاق أحد الأمرين لكان إطلاق الاستقرار أولى في النسبة ؛ لكون العرش قد جاء بمعنى السرير في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الكرسيّ في جوف العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة » . فأثبت صلى اللّه عليه وسلم وجود عين العرش وماهيته ، فخرج العرش بهذا الخبر أن يكون ملكا حتى يستولي عليه ، وتعيّن أن يكون سريرا ، والعرش عند العرب هو السرير ، ثم لا يخفى أن حقيقة الاستيلاء يلزم فيها طرء وصف ؛ إذ لا يقال استولى على كذا ، إلا إذا كان على حالة قبل ذلك ليس هو مستوليا عليها ، فقد تقدّم على ذلك عدم الاستيلاء ثم حدث الاستيلاء . فإن قيل : إنما حدث المستولى عليه . قلنا : أنه لا يلزم على ذلك أنه حدث له وصف بحدوث الموصوف ، وهو سبحانه منزّه عن أن تكون صفاته حادثة ، وأيضا فإن الاستيلاء على العرش أو على أمر ما لا يصحّ عند العرب إلا بعد عدم الاستيلاء كما تقدّم ، ثم أن التشبيه حقيقة إنما هو في الاستواء ، لا في المستوى . والاستواء نسبة معلومة ، فتنسب إلى كل منسوب بما تقتضيه حقيقة ذلك المنسوب ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال : استوى على العرش كما استوى بشر على العراق ، وقد عرفنا بشرا بحدّه وحقيقته ، فعرفنا نسبة استوائه على العراق ، فهل حقيقة المستوى على العرش كحقيقة بشر المستوى على العراق ، لتصبح المقابلة والمناسبة ؟ . وقد تحقّقنا أنه ليس كمثله شيء ، فلا مناسبة . وحاصل الأمر : أنهم انتقلوا عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في المعنى ، فأبلغ العقل في تنزيهه مبلغ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . وسمعت شيخنا رضي اللّه عنه يقول : من أعظم ما وقع فيه العقلاء من سوء الأدب مع اللّه تعالى عدم قبولهم ما أضافه الحق إليه ، فتراهم يكذبون بكل حال جعل الحق تعالى فيها نفسه مع عباده ، فهم ينزهونه عن كل ما أضافه إلى نفسه ، ويجعلون نفوسهم أعلم بربهم من رسولهم ، واللّه تعالى ما أمرهم أن ينزهوه إلا بما أنزله على ألسنة رسله فقط لا بعقولهم . -