مجموعة مؤلفين

370

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

معرفة اللّه التي جاءت به الشريعة من التجلي في المظاهر فوق طور الفكر ؛ ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « وآمنوا بمتشابهه » « 1 » ، ولم يقل : أولوها بأفكاركم ، فلا حاجة إلى التأويل بالفكر ؛ فإن التنزيه الصحيح هو التنزيه الشرعي « 2 » ، وهو عدم التقيد بشيء من المظاهر مع التجلي فيما

--> ( 1 ) رواه الآجري في أخلاق حملة القرآن ( ص 2 ) ، وفي الأربعين حديثا ( 10 ) ، وفي الشريعة ( 152 ) . ( 2 ) قال العلامة الشعراني : ما ضلّ من ضلّ من المشبّهة وغيرهم إلا بالتأويل وحمل الآيات والأخبار على خلاف ظاهرها : ففاتهم بذلك كمال الإيمان بما أخبرت به الرسل عند ربهم عزّ وجلّ ، ووقعوا في نصرة جانب فكرهم ، على إعلام اللّه تعالى عن نفسه ما ينبغي أن ينسب إليه كما مرّ تقريره . وقد أجمع المحققون من أهل اللّه أنه ليس في كلام العرب مجاز أصلا ، إنما وصفوا ألفاظهم حقيقة لما وضعوها له . فإنهم وضعوا يد القدرة للقدرة ، ويد الجارحة للجارحة ، ويد المعروف للمعروف ، ومن ادّعى أنه تجوّز في ذلك فعليه النقل ، ولا سبيل إلى نقل في ذلك . ولما قالوا فلان أسد فإنهم وضعوا هذا حقيقة في لسانهم أن كل شجاع يسمّى أسدا ، فوصفوا هذا الإطلاق حقيقة لا مجازا . وإذا كان الأمر على هذا فلتعلم أن جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الأحاديث التي جاء فيها ذكر اليد والعين والجنب والأصابع وغير ذلك لا يقضي منه بتشبيه ؛ لأن التشبيه إنما يكون بلفظة المثل الذي هو المساوي ، أو كاف الصفة وما عدا هذين الأمرين فإنما هو ألفاظ اشتراك ، فتنسب حينئذ متى جاءت إلى كل ذات بما تعطيه حقيقة تلك الذات ، ثم لما ثبت عندنا أنه تعالى لا يشبه الأجسام فيكون مستقرّا ولا يشبه المعاني فيكون استواؤه استيلاء في قهر فحينئذ قلنا : إن من حمل الحق تعالى على نسبة المعاني فقد حصل في ضرب من التشبيه بالمعاني المحدثة ، وإذا حصل تشبيهه سبحانه بالمحدثات فأي شيء أنكروه على من قال بالاستقرار الذي هو من صفات الحس ، وكلا الأمرين حادثان . -