مجموعة مؤلفين
35
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
والخلافة ، والدنيا ، والدين - السلطان أبو يزيد - أيّد اللّه أيامه نهاية التأييد ، وخلد ملكه إلى الأمد المديد . فلما جمعت من الشرح جملة من المقدمات ، ونبذة من المتممات ، هجمت عليّ حوادث الزمان ، وبواعث الحدثان ، فلم ييسر الإتمام ، ولم يتصور حصول المرام ، وغشيتني أمواج المحن ، وغشيني ارتجاج الفتن ، وتحققت أن الإقامة بمكة - شرفها اللّه - لا تتيسر بل ربما إنها تتعذر ، إذ من لوازم الإقامة حصول الاستقامة ، ولا تتم الاستقامة إلا برعاية العيال وتربية الأطفال . إذ قد ورد عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول » « 1 » ، وذلك لا يتم إلا بالانخراط في سلك من لطف اللّه بهم بوصول صدقاته إليهم ، وحصول مبراته لديهم ، نقلت لمن حضرني من الأطفال والعيال قد زاد خلل الحال ، ولابد من الارتحال والتوجه إلى من حاز قصبات السبق في مضمار الجود والكرم ، فوصل كامل بره ، وشامل خيره إلى سكان الحرم . ينال المباغي من إلى داره سرى * ويحوي الأماني من إلى ناره مشى لقد كان من در المعالي ارتضاعه * وفي حوزة التأييد والنصر قد نشا فهلموا بنا نرحل إلى مدن جوده وبواديه ، وننزل بوادي جنوده لعلنا نجد من لامع جوده قبسا ، فلا يتأسوا من روح اللّه فعسى ، فرحلت من مكة - شرفها اللّه تعالى - بالأطفال والعيال ، وتوكلت على ذي الجلال ، وتوجهت إليه في إصلاح الحال ، فلما وصلت إلى الديار المصرية ضلعت المطية ، وضعفت الطوية لكثرة الأتباع ، وقصور
--> ( 1 ) رواه النسائي في « السنن الكبرى » ( 5 / 374 ) .