مجموعة مؤلفين
269
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
وفي « الإحياء » « 1 » في كتاب التوحيد والتوكل بعد ما ذكر فيه أن التوحيد له أربع مراتب والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحدا وهي مشاهدة الصديقين وتسمية الصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا لا يرى نفسه أيضا وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا في التوحيد كان فانيا عن نفسه في توحيده بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه والخلق ما نصه : فإن قلت : كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يرى الكثير واحدا فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون : إفشاء سر الربوبية كفر ، ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة . نعم ؟ ما يكسر صولة استبعادك لممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار وهذا كما أن الإنسان كثير إلالتفات إلى روحه وجسمه وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه ، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ تقول : إنه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد وكم من شخص يشاهد إنسانا ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق في واحد ليس فيه تفرق وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة ناظرا في تفرقه فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة ، وهو باعتبار واحد وباعتبارات أخر سواه كثير بعضها أشد كثرة من بعض ثم قال : وهذه
--> ( 1 ) في ( 3 / 337 ) .