مجموعة مؤلفين
256
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
هذه الحقيقة للعبد بنور اليقين علم أن الوجود كله له تعالى لا مزاحم له فيه أصلا وأن نسبته لغيره مجاز لا حقيقة . الثانية : ترقى أصلها من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا اللّه وأن كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا لا يتصور فيه إلا ذلك لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات لأن كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم صرف ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأول فهو موجود لا من وجهه وذاته ، بل من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود هو وجه اللّه فقط وحينئذ فلكل شيء وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه ربه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه كما قال : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] يعني فليس بهالك . وهؤلاء يفتقروا لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباري لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار ، بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ، ولم يفهموا من معنى قوله اللّه أكبر أنه أكبر من غيره حاش اللّه إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية ، بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه ، فالوجود وجهه فقط ، فمحال أن يكون أكبر من وجهه ، بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا بل لا يعرف كنهه إلا هو تعالى . الثالثة : أهلها بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة ، ولم يروا في الوجود تحقيقا إلا الواحد الحق وأفعاله ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له