مجموعة مؤلفين

222

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] ، فمن كان عند اللّه منا صح له البقاء ، ومن كان عند الخلق صح له النفاد . ألا ترى من هو عبد لغير اللّه من المماليك ، إذ جاء به الموت ارتفع الملك الذي كان للسيد عليه فنفد ، فكل ما نسب إلى المخلوق فإنه ينفد بالموت أو بالشهادة ، وكل ما ينفذ فقد فارق من كان عنده ، وهذا لا يوجد في الحق ؛ لأنه لا يفارقه شيء ، لأنه معنا وإليه تصير الأمور ، فهذا معنى قوله : « الفرق ما ينسب إليك » . وأما قول من قال : « ما أشهدك الحق من أفعالك أدبا » يشير إلى الأفعال التي لا يعطي الأدب أن تنسب إلى اللّه ، وإن كانت من اللّه لا إلى الأفعال التي تنسب إلى اللّه أدبا وحقيقة ، وأفعال العباد لا بقاء لها عند العبد سوى زمان وجودها خاصة ، وتزول عنه في الزمان الذي يلي زمان وجودها ، فهذا معنى قول الدقاق : فاجتمعا في المعنى ، غير أن هذا القائل خصص بعض الأفعال بقوله : « أدبا » ، وإذا نسب أعيان هذه الأفعال إلى اللّه اتصفت بالبقاء لا لأعيانها ، بل لكونها مشهودة للّه ، وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ كما يبقى الفعل عندك ما دام مشهودا لك ، فإذا لم تشهده زال عينه عن شهودك ، ولهذا قال : ما أشهدك الحق من أفعالك ، ولم يتعرض لما لم يشهدك ، كما أنه لم يتعرض إلى المحمود من أفعالك مع كونه ينسب إليك ، فقال أدبا . وأما قول من قال : « الفرق مشاهدة العبودية » فإنه نسب العبد إلى الصفة القائمة به ، ولا ينبغي أن ينسب إلا إلى اللّه ، والعبودية صفة للعبد فمن شاهد عبوديته كان لمن شاهد ، ولهذا ينسب عباد اللّه إلى العبودة لا إلى العبودية ، فهم عبيد اللّه من غير نسبته بخلاف نسبتهم إلى العبودية ، فإن الحق لا يقبل نسبة العبودية ؛ لأنه عين صفة العبد لا عين العبد ، فمن شاهد العبودية فلم يشاهد كونه عبدا ، ففرق بين ما نسب إلى الصفة وبين ما يضاف إلى اللّه .