مجموعة مؤلفين

221

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

فتفرقت أحكامها لتفرق معانيها ، حتى لو نظر الإنسان فيها من حيث دلالتها كلها على العين مع الفرقان المعلوم بين معانيها الذي يعقل فيها من أن سميت هذه العين بكذا لكذا ، ولا سيما إذا كانت تجري مجرى النعوت على طريق المدح ، فالتفرقة أظهر وبالتفرقة تعرف إلينا سبحانه : فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وقال : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] ، ففرق بين أمن يخلق وبين من لا يخلق ، وحدود الأشياء أظهرت التفرقة بين الأشياء ، والتفرقة أظهرت المقامات والأحوال ، وكثرت مراتب الخلق وتميزت بها ، فلله ثمانون عبدا حققهم بحقائق الإيمان ، وللّه مائة عبد حققهم بحقائق النسب الإلهية والأسماء ، وللّه ستة آلاف عبد أو يزيدون حققهم بحقائق النبوة المحمدية ، وللّه ثلاث مائة عبد حققهم بحقائق الأخلاق الإلهية ، ففرّق سبحانه بين عباده بالمراتب ، وعين الجمع هو عين التفرقة إذ هو دليل على الكثرة ، وإنما سمي جمعا من أجل العين الواحدة التي تجمع هذه الكثرة . فقول من قال في التفرقة : إنها إشارة من أشار إلى خلق بلا حق فمشهوده ما أعطته الحدود ، والحدود لم يكن لها ظهور إلا في الخلق ؛ إذ كان الحق لا يعرف ؛ لأنه الغني عن العالمين ، أي : هو المنزه عن أن تدل عليه علامة ، فهو المعروف بغير حد المجهول ، والحدود أظهرت التفرقة بين الخلق وكل إنسان من أهل الذوق لا يتعدى في أخبار منزلة شهوده وذوقه ؛ لأنهم أهل صدق لا تخبرون أبدا إلا عن شهود لا عن خبر . وأما قول الدقاق : ما نسب إليك ، فإن ما نسب إليك إلا الحدود ، إذ الحق لا ينسب إليه حد ، وجميع ما ينسب إلى العبد فمآله إلى الفناء والعدم ، وما ينسب إلى الحق فمآله إلى بقاء الوجود ؛ فكن ممن ينسب إلى الحق ولا ينسب إلى الخلق ، وهو معنى قوله