مجموعة مؤلفين

190

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وللّه المثال الأعلى - الحيزان المتجاوران للجوهرين ليس واحد منهما في درجة الآخر ولا بينهما حيز ، فيكون بهذه المثابة الارتباط على التقريب ، إذ العبارة لا تسع أكثر من هذا في هذه المسألة . وهذا مذهب ثالث لاح بين القدماء والأشاعرة ، فانتفى القدم عن العالم . أقول : هذا تصريح بالحدوث الزماني ؛ لأنه ما نقل عن أحد من العقلاء القدماء والمحدثين أنه قديم بالذات ، وإنما ذهب القدماء إلى أنه قديم بالزمان حادث بالذات ، فقوله : « ولا يقول به القدماء » نفي للقدم الزماني . ثم قال : وانتفى التقدير والوهمي الذي يقدره الأشاعرة بين الحق والخلق ، وانتفى الحدوث والافتقار عن اللّه وثبت القدم الإلهي ، انتهى . ولو حمل كلام الشيخ رضي اللّه عنه على إثبات الحدوث الذاتي لما كان مذهبه ثالثا لمذهب القدماء والأشاعرة بل كان غير مذهب القدماء ، ولولا ذلك لما كان يحتاج إلى مثال الجوهرين المتجاورين في الحيزين ، لأنه إنما جاء به ليبين أن العالم مع حدوثه لا امتداد بينه وبين وجود الحق ، كما لا واسطة بين الحيزين ، ولكون هذا المعنى في غاية الدقة قال العبارة : لا تسع أكثر من هذا ، وهذا هو الذي قال المحققون من المتكلمين من الأشاعرة ، فإن تقدم الحق على العالم كتقدم الأنات المتتالية التي لا نشك في تقدم بعضها على بعض مع أن المتأخر منها ليس وجود مع وجود المتقدم ، فالمتقدم كان ولا متأخر ثم وجد المتأخر وليس بين وجود الأنين أمر ممتد هذا كلامهم وهو لا يتمشى عند الحكيم ، لأنه يثبت بين كل أنين فرقا زمانا يقبل انقسامات غير متناهية .