مجموعة مؤلفين
16
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
العكسي المتعين بتعيناتها الكونية قائم بنور القديم ، ويشاهد النور متجليا دائما ، فإنه لو احتجب لحظة كما كان محتجبا قبل الأكوان لا نعدمت الوجودات العكسية كلها ، فيعبر المشاهد عن شهود عدمية الأشياء في ذواتها ، وقيام وجودها العكسي بالوجود القديم ، وشهود بقاء ذلك الوجود به حينئذ بالاتحاد ؛ لأن للأشياء وجودا في نفسها ، وبالإضافة إليها متحدا بالحق سبحانه . فهذا المعنى الثاني هو الصحيح ومجمل الكلام المذكور . ثم قال : وقد تمسّك كثير من الملاحدة الجديدة في زماننا هذا بكلامهم أي : كلام العرفاء في ترويج مذهبهم الباطل ، وإضلال أصحاب القلوب الصافية والأبالهة بالتمثيلات الوهمية ، وحكاية كلام العرفاء أن فلانا قال كذا ، وأن فلانا قال كذا وكذا ، وجب التنبيه على مرادهم من أمثال هذه الكلمات العرفانية التي ليست مما تدل العبارة عليها ، بل هذه من قسم الإشارات كما ذكر في كتاب « التعرف » . وعلوم المشاهدات والمكاشفات هي التي تختص بعلم الإشارة ، وهو العلم الذي تفرّدت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم ، وإنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة أن تعبر عنها على التحقيق ، بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وتلك المقامات . وقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من علم الهيئة المكنون ما لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه » « 1 » ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة باللّه . ثم قال : وقال بعض المتكلمين لأبي العباس ابن عطاء : ما بالكم أيها الصوفية اشتققتم ألفاظا ، أغربتم على السامعين ، وخرجتم عن اللسان ، هل هذا إلا طلبا للتمويه أو سترا لعوار المذهب ؟ فقال أبو العباس : ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه لعزته علينا ؛ كي لا يشير بها غير أهل طريقتنا . فإذا ثبت أن كلام العارفين من علم الباطن كله إشارة ، فلا يكون المفهوم من منطوق العبارة مقصودا ، ولا شك أن ما فهمته الملاحدة الجديدة في زماننا ومن كان بهم اقتداؤه منطوق العبارة الموضوعة في اللغة العربية ، كما أنهم فهموا من قوله : إن الحق
--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 210 ) .