مجموعة مؤلفين

17

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

اتحاد وجود القائل بوجود الحق ، وكذا من قولهم : كل شيء موجود به أن وجود الأشياء هو وجود الحق ، فوجود الأشياء عندهم هو وجود الحق المضاف إليهم فزاغوا وتزندقوا ، فإن هذا مذهب لا يحكم العقل السليم بإمكانه فضلا عن تحققه وثبوته ، فإنا نشاهد في الأشياء العوارض التي لا يمكن قيامها بالحق من التوالد والتناسل ، والتألم والتلذذ ، والسقم والصحة ، والموت والحياة ، والضعف والقوة . وهم يقولون : إن الوجود هو وجود الحق والتعينات سرابيه ، فليس شيء في الوجود إلا الحق انتهى . وكان سيدي علي وفا صلى اللّه عليه وسلم يقول : المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم : فناء مراد العبد في مراد الحق ، كما يقال : اتحد فلان وفلان إذا عمل كل منهما بمراد صاحبه ، ثم أنشد : وعلمك أنّ كل الأمر أمري * هو المعنى المسمّى باتحاد وقلت من قصيدة : ومن ظنّ وصلا واتحادا فإنّه * على جرف هار وحقك قد أشفى فعد عن التعداد فالغير هالك * ووجه المنا باق لكلّ السوى أخفى فأنت به ما أنت أنت بغيره * وما أنت أنت أفهم وزح حجب الأغفا ومما أثمر هذا المنهاج لهؤلاء الرجال غيبتهم عن شهود مقام العبودية الذي هو أشرف المقامات السعودية ، ولهذا وصف نبيه صلى اللّه عليه وسلم بها . فمن دام له شهود العبودية فقد مشى القدومية ، ومن فارقها ولو في وقت ما جهل وما دري ، وكان مشيه في الحقيقة القهقرى ، وكل من خرج عما لها إلى منازعة صفات الربوبية فقد سوّى بين رتبة المحبة والمحبوبية ، فكان كالمتشبع بما لا يملك ، والمتشبع لما به يهلك ويهلك ، سخط السوم فيما لا يجديه نفعا ، ولا يكسبه هنا وهناك رفعا ، فهو كمن سار في فحمة العشا مع أنه أعشى وأغشى ، أو كمن خرج بين سمع الأرض وبصرها وما دري طول ليلته من قصرها ، وإذا أردت أن تسير به إلى الحق عنقا صار يطرطب شفتيه غيظا وحنقا ؛ لظنه في نفسه أنه عبقري أهل الحق الأبلج مع كونه سمين الجسم ، مهزول الحسب أطيج ، لا يعرف الهر من البر ، ولا الغير من الغر ، شق العصا فخالف وعصى ، عاث فيه ذئب الجهل لتوعره وتركه السبيل السهل .