مجموعة مؤلفين

141

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

فكل ما صدر عن المكلف من الأفعال له نسبة إلى الماهية لأنه من جملة آثارها وأحكامها ، وله نسبة إلى ذلك المبدأ ؛ لأنه هو الذي ترتب عليه الآثار والأحكام الخارجية ، فنسبة الأفعال إليهما إلى الماهية فقط هو القدر ، ونسبتها إلى المبدأ فقط هو الجبر ، ونسبتها إليهما هو الوسط بين الإفراط والتفريط ، وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ آل عمران : 117 ] « إنما هي أعمالكم ترد عليكم » « 1 » ، لأنها آثاركم وأحكامكم التي اقتضتها ماهياتكم ، التي هي غير مجعولة في وجودها العلمي ، وليس للمبدأ إلا إظهارها لا غير . فمبدئية العبد لأفعاله هي روح كسب الأشعري وهي أساس التكليف ، وذلك أن التكليف من لوازم ذات العبد ، فما كلفه إلا بما اقتضاه بذاته ، فالسعيد مثلا اقتضت ذاته الثابتة المرتسمة في العلم القديم السعادة ، وإن يرد عليه التكليف في الوجود الخارجي ، ورووا : هو من لوازمها ، فتجري على مرسومه جريا هو من لوازمها لا محيص لها عنه ، فعند ذلك يلزم من ذاتها دخولها الجنة ؛ لأن كل ذلك قد لزم في العلم القديم . وهكذا حال الشقي أيضا بعينه فإن ذاته التي هي عينة الثابتة اقتضت الشقاوة واقتضت أن يرد عليها التكليف في وجودها في الخارج ، وألا يجري على مرسومه بل يجري على خلافه جريا هو من لوازمها الذاتية ، فيلزم في ذلك دخولها النار ، وذلك اللزوم من اقتضاء ذاتها ، وليس للمبدأ إلا إظهار ما هو مقتضى تلك الذات لا غير . فإن قلت : قد تقرر في اصطلاح القوم أن الفيض الأقدس هو وجود الأشياء

--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 1 / 265 ) .