مجموعة مؤلفين

136

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - ومثله أيضا قوله تعالى : الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ [ آل عمران : 106 ] تقدير الكلام فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [ آل عمران : 106 ] فيقال لهم : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ [ آل عمران : 106 ] فكذلك هذا ، فتقدير الكلام فيه لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ [ النساء : 78 ] فيقولون : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ . الوجه الثاني : أن هذه الآية إن لم تحمل على ما قلناه صار بعضها ينقض بعضا ويخالف بعضا ، وليس في كتاب اللّه تعالى مناقضة ولا اختلاف ، فصح ما قلناه ؛ لأنه قال في أول الآية كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثم يرجع في سياقها فيقول : لا إنما البعض مني والبعض من خلقي ، كلا واللّه ، بل ذكر ذلك في سياق الآية تجهيلا لقائله وردا عليه ، فافهم الحق وادفع به فإن احتجوا فقالوا : وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا ، فوجب أن يكون خلقا لنا وفعلا لنا . قالوا : وبيان ذلك أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام ، وإذا أراد أن يقعد قعد ، وإذا أراد يتحرك تحرك ، وإذا أراد أن يسكن سكن ، وغير ذلك فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته دل على أن أفعاله خلق له ، وفعل له ، فالجواب من وجهين أحدهما : أن هذا غير صحيح أولا ، فإنا نرى من يريد شيئا ويقصده ولا يحصل ما يريد ولا ما يقصد ، فإنه ربما أراد أن يطلق بصواب فيخطيء ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة فيضعف ويمرض ، وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر ، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه ، إلى غير ذلك ؛ فبطل ما ذكرتموه ، وصح أن فعله خلق لغيره ، يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى ، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة ، والخلق من الخالق . الجواب الثاني : أن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم لا يدل ذلك على أنه خلق لهم واختراع ، ألا ترى أن مشي الفرس والدابة يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو ، وتقريب ، واستطراف ، ووقوف ، إلى غير ذلك ، ولا يقول عاقل إن الراكب خلق جري الفرس ولا سرعتها ، ولا غير ذلك من أفعالها ، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل يدل على أنه خلقه ، وكذلك أيضا السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير من يمين إلى شمال على حسب قصد الملّاح ، ولا يدل ذلك على أن الملّاح خلق سير السفن ولا توجهها فإن كابروا الحقائق وقالوا : نقول إن ذلك خلقه الملّاح والفارس فقد خرجوا عن الدين وسووا بين الخالق والعباد ، وأن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات ، وهذا كفر صراح ، وإن قالوا : حركات السفن تقع على حسب قصد الملّاح وليس بخلق له ، قلنا : فكذلك أفعال أحدنا قد تقع ، ولا -