مجموعة مؤلفين

137

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - نقول إنها تقع في كل حال على حسب قصده ، ولا يدل ذلك على أنه خلقها فاخترعها . يؤكد ذلك أن البياض يحصل في الناطف عند قصد الناطفي له ، ولا يقول أحد إن واحدا منا يقدر أن يخلق لونا لغيره ولا لنفسه ، فلا يمتنع أن يكون الفعل قد يحصل على حسب قصد أحدنا ، وليس هو خلقا له ولا موجودا له من العدم إلى الوجود ، فاعلم ذلك . يؤكد هذا أيضا أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه وغير ذلك ، ولا يقول أحد إن نمو الزرع خلقه الزارع ، ولا أنه خلق في الحبة أضعاف عددها وكذلك ما حصل فيه النمو من الفسيل والتين ، وغير ذلك ، وكذلك سمن الدابة يحصل على قصد العالف لها والساقي ، ولا يقول أحد إن العالف والساقي هو الذي خلق الشحم والسمن في الدابة ، وكذلك دود القز يحصل منه القز على حسب قصد القائم عليه والمربى له ، ولا يقال إن القز خلقه في الدود إلا اللّه تعالى ، وإن كان حاصلا على حسب إرادة القائم عليه وقصده ، وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد اللّه تعالى حصوله على حسب قصده ، لا يدل على أنه هو خلقه بل الخالق له هو اللّه تعالى . فإن قيل : فإذا لم يكن أحدنا خالقا لفعله ، فكيف يكون ملوما عليه ومعذبا به ويستحق عليه المدح والثواب أو الذم والعقاب ؟ فالجواب : إننا لا نقول إن المدح والثواب ، ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا ؛ حتى يوجب ذلك كونه خلقا له واختراعا ، بل نقول : إن ذلك يحصل بحكم اللّه تعالى ، ويجب ويستحق بحكمه لا بأن يوجب الواجب عليه خلق فعل أوجبه عليه ، ألا ترى بالإجماع منا ومنكم ومن جميع المسلمين : أن الدية تجب على العاقلة . بقتل غيرها خطأ ، وإن لم تفعل العاقلة شيئا يستحق به إيجاب ذلك عليها ، وإن ذلك الذي فعلته خلق لها ، بل هو خلق لغيرها ، وهو اللّه تعالى عند المسلمين ، وخلق للقاتل على زعمكم ، أفصح أن الوجوب حصل بإيجاب اللّه وحكمه ، لا بخلق العاقلة وفعلها ، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة ، إنما تجب وتستحق بإيجاب اللّه تعالى وإرادته ، لا بكونها خلقا للفاعل ، فاعلم ذلك وتحققه . وكذلك أيضا الأكل في الصيام ناسيا ، فعل العبد ، كما هو فعل له عند تعمده ، لكن اللّه تعالى حكم بأن أحدهما مبطل ومفطر ، ويذم ويعاقب عليه ، والآخر بالضد من ذلك ، وإن كان الجميع فعلا للعبد ، فصح أن ذلك إنما يكون بحكم اللّه تعالى ، لا بكونه خلقا للفاعل ، فصح ما قلنا ، وبطل ما توهموه . فإن قيل : من فعل الطاعة كان طائعا ، ومن فعل المعصية كان عاصيا ، فالجواب : أن هذا صحيح ؛ لأن كون الباري تعالى خالقا وفاعلا لا يوجب أن يتصف بالطاعة والمعصية ؛ لأن الطاعة صفة -