ست العجم بنت النفيس البغدادية
96
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
فإن قيل : إن الأول ضد الآخر ، وقد صدق عليه الانتقال إلى الآخر ، فنقول : إن انتقال الأول إلى الآخر لا يكون أولا لكنه بعد الأولية ينقل إلى الظاهر ومن الظاهر يستمد نصيبه من المقابلة ، وفي حال هذا الاستمداد ينقل إلى الآخر وهو كماله فليس انتقالا من الضد إلى الضد ، ولولا أنه يقطع مرتبتي الظهور والمقابلة لما كان له انتقال من الأول إلى الآخر ، فبالحقيقة ينشأ في الظاهر نشأة أخرى ، حتى يصدق عليه الانتقال فما دون الأولية في القرب إلا الظاهر ، وهو الوجود الحقيقي ، ولهذا افتقر إلى تمايز أشد تحديدا وأظهر مما كان عليه في الأولية ، ليدرك بالنسبة إلى السابق المتقدم ، وهو اللّه تعالى . قوله : ( ثم قال لي : الوجود بي وعني ولي ) أقول معنى قوله : ( الوجود بي ) لأنه سابق على الوجود على ما قيل ، فالوجود موجود بعد وجوده ، فوجب أن يكون بوجوده تحقق الوجود ولا يظن منه أنه الذي قالت الفلاسفة : إنه علة للوجود فليس هذا الغلط مراده ، وإنما قصده في قوله : ( الوجود بي ) أي : إن تحقق الوجود لك بمرادي وإن قلنا : وجودي عندك تعييني جاز ، وغلط القائل بالعلة ، لأن وجود المعلول متوقف على العلة ، ويلزم من ثان ناقص مفتقر إلى مثله قوله : ( وعني ) لأنه لا معنى للوجود إلا بمظاهر صادرة عن الظاهر بها ، فحين ظهورها واستقلالها بأنفسها عبّر عنها بعني لأن شيئا لم يكن مدركا وأدرك ، يجب على المدركين أن يعبروا عنه بالحدوث وبالخفاء لا يكون حدوث إلا عن موجد ، فالوجود سواه بل لا موجود إلا هو فلا يقال : الوجود إلا له حتى على الزمان العاري عن الإدراك الجسماني ، فقد قال عليه السلام : « لا تسبوا الدهر « 1 » » ، فإن الدهر هو اللّه ، فهذا معنى قولنا : ليس في الوجود إلا اللّه وبالحقيقة ليس موجود إلا هو . قوله : ( ثم قال لي : الوجود عني لا بي ولا لي ) أقول : إنه قد سبق القول في شرح قوله : الوجود عني وأما نفيه لمعية الوجود بقوله : ( لا بي ) لبراءته عن الثنوية في الحقيقة لكنه قد تقدم مناقض هذا في الظاهر ، ولا تناقض إذ الوجود المدرك للجاهل هو باللّه وبالحقيقة لا وجود مدرك . فقوله : ( لا بي ) كأنه قال : ليس معي شيء متقدم ولا حادث ولا يتوهم هاهنا
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2286 ) ، ومسلم ( 4 / 1763 ) .