ست العجم بنت النفيس البغدادية

93

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

والتمايز وهو مظاهر اللّه وشؤونه ، فالمعهود من المفقود هو الشؤون والمطلق من الوجود عليها أيضا ، وإذ قد أطلق عليه العزة ، فمنعه عن الجاهل فقدان العزة التي هي المنع ، ولا يكون إلا على الجاهل دون العارف ، ووجوده للعارف من غير عزة هو الوجود الذي عبر عنه في هذا الخطاب . فقوله : ( إن الوجود والفقد لي لا لك ) معناه إنني عند الجاهل مفقود وعندك موجود وجمع الوجود والفقد وعكسهما عند هذا العارف يؤيد ما ذكرناه من العزة وعدمها ، فإنه قبل المعرفة كان جاهلا غير كامل في الجهل ، فكان المشهود بالنسبة إليه متصفا بالعزة ، فكان مفقودا في زمان الجاهل ، فلما عرف زال اسم العزة عند كمال هذا العارف ، وصار اللّه تعالى موجودا مشهودا عنده دائما ، فكلا الوصفين في واحد لواحد . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : كل وجود لا يصح إلا بالتقييد ، فهو لك وكل وجود مطلق فهو لي ثم قال لي : وجود التقييد لي لا لك ) ] . ( ش ) أقول : هذا التنزل يصف العارف بأوصاف اللّه تعالى في حال فنائه فهو في المعرفة موصوف بها ، وفي حال البشرية متصف بالتقييد ، فيطلق عليه التقييد والإطلاق بقوله : ( الوجود والفقد لي لا لك ) ، والفقد لا يكون إلا بالنسبة إلى التقييد بالتجزؤ ، فاللّه تعالى من حيث المظاهر والشؤون يطلق على مظاهره التقييد ، وقد قلنا إن الوجود هو المظاهر والشؤون ، فالوجود من حيث الكثرة للعارف لأنه من الجملة ومن حيث إطلاقه هو للّه . فقوله : ( كل وجود ) يوهم أن هاهنا وجودات متعددة ، وهي بالحقيقة أوصاف في وجود واحد ، فهو مطلق من أجل فنائه ، ومقيد من أجل بقائه عند الجاهل فكلا الوجودان يصدق على العارف ، فالإطلاق يصدق عليه من حيث فناؤه والتقييد من حيث مماثلة الأشياء في حكم البشرية ، فإذا صدق على الوجود التقييد كان للعارف وإذا صدق عليه الإطلاق كان للّه ، فكأنه قال : كلانا واحد في هذا المقام ، وعند الانفصال يكون اثنين فالوجود لك في حال التقييد وهو لي عند الإطلاق . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : وجود التقييد لي لا لك ثم قال لي : الوجود المفروق لي بك ، والوجود المجموع لك بي ، ثم قال لي : وبالعكس ) ] . ( ش ) أقول معنى قوله : ( وجود التقييد لي لا لك ) . يؤيد ما ذكرناه من أن الوجود مظاهر اللّه وصفاته ، فكأنه قال : وإن كان الوجود مقيدا فهو مظاهري وصفاتي ، والمظاهر والصفات بالحقيقة للّه تعالى بدليل قوله تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ