ست العجم بنت النفيس البغدادية
94
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
[ غافر : 16 ] ، فإن قيل : إن هذا خطاب مختص بيوم القيامة ، فنقول : إن العارف في حال الشهود لا يكون في حال الظاهر ، بل يخرج عن حكم البشرية ، وهذا الخروج يكون في عالم الباطن ، وأما في عالم الآخر ، ومن هذا المقام يقول العارف رأيت وقال : فلولا أنه خرج عن حكم البشرية لما كلمه اللّه وليس في الوجود على الحقيقة سوى مظاهره وشؤونه فإذا صح هذا الحكم وجب أن يكون الوجود المقيد أيضا للّه تعالى وهذا معنى قوله : ( الوجود المقيد لي لا لك ) . قوله : ( ثم قال لي : الوجود لي وبك والوجود المجموع لك بي ) أقول : معنى قوله : ( الوجود لي وبك ) أي : لولا صورتك المخلوقة وأمثالها لما تحقق لي الظهور والصفات والأسماء ولا كنت أسمى عندك موجودا ، فوجودي عندك بك وفيه قال رضي الله عنه : فلولاه ولولانا لما كنا ولا كان أي : لولا وجوده بالأولية لما تحقق لنا الوجود ، ولولا وجودنا لما عبر عن وجوده لأنه اشترط مع تجزؤ الوجود العبارة ولا يكون إلا بين المتكثرين ، فقبل التجزؤ كان الموجود بريئا عن العبارة ، فلما اختلفت المظاهر والشؤون بإرادة الكمال صحب ذلك على الاختلاف عبارة تؤدي إما إلى المعرفة ، وإمّا إلى الاستعانة ، وإمّا إلى الاستمداد ، وكل هذه الأوصاف افتقاري التجزؤ إلى الأمثال ، وأوجب هذا الافتقار أيضا الاطلاع على علم الموجد الأول ، لأنه إذا وردت المظاهر شيئا فشيئا والتحق الأول بالآخر ، وجب اضطرارا أن الأول آن للآخر موجدا ، وهذا العلم عبارة توصله إلى المثل ، فلا يعلم وجود اللّه لعين المطلع إلا بالعبارة ، فكأنه قال : الوجود لي بك ، معناه أنه بعبارتك على مثلك أنني موجود فصار وجودي عندك بك ، وأما قوله الوجود المجموع لك بي معناه أنني أنا المريد لك الاطلاع بالقدرة وأنا الموقف أيضا على الوجود ، وصورة التوقيف جمعيتي الأشياء حتى يطلع عليها كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها » . وينبه أيضا قوله عليه السلام : « أوتيت جوامع الكلم « 1 » » ، فكل هذه بمراد اللّه تعالى ، وأيضا ، فإن قوله صلى اللّه عليه وسلم دليل على أن الأولياء مستمدون من علوم الأنبياء . فقوله : ( الوجود المجموع لك بي ) معناه لو تركتك وجهلك لما عرفت مجموع الوجود الفاني في حقيقتي ، وهذا معنى قوله تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا
--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 400 ) .