ست العجم بنت النفيس البغدادية

90

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

هذا المخلوق بوجوده نطق بلفظة الوجود ، فكأن هذا اللفظ بوجود المخلوق ، وأيضا فإن الزمان المحدث لم يتعلق إلا بعد وجود آدم لاشتراط العقل بالإنسان فلم يعقل هذا الوجود إلا من صدق عليه هذا العقل ، فلا يتيقن الوجود إلا بوجود ، فعلى الحقيقة مراده هذا اليقين كأنه قال : لم يتعقل الوجود إلا بوجودك وأيضا فإن أول صورة فتق في العماء هي الصورة المحمدية ، من الرحمة والرحمة التي صدر الوجود عنها يستمد من وجود محمد صلى اللّه عليه وسلم إذ هو يستمد منها وهي تمده للسبق عليه فالوجود على الحقيقة من اللّه بوجود محمد عليه السلام ، واستمداد العارفين من حقيقة محمد ، ففي حال الشهود تكون صورة العارف مخلوقة من مدده صلى اللّه عليه وسلم ، فلهذا قال له : ( بك ) أي : بصورة محمد وجد الوجود إذ العارف في حال الشهود مستهلك في صورة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : من وجدك وجدني ومن فقدك فقدني ، ثم قال لي : من وجدك فقدني ومن فقدك وجدني ، ثم قال لي : من فقدني وجدني ومن وجدني لم يفقدني ، ثم قال لي : الوجود والفقد لي لا لك ) ] . ( ش ) أقول : إنه عنى بذلك أن العارف من وجده فقد وجد اللّه تعالى لأنه فان في الهوية مستهلك في ذاتها عار عن الاختيار ، وأيضا هو أقرب إلى اللّه تعالى من الجاهل فعلى التفسير الأول من وجده فقد وجد اللّه تعالى ، وعلى التفسير الثاني من قرب من الخليفة فقد قرب من المستخلف ، وهذا ظاهر في الوجود ، فإن الولي واسطة بين الطالب والمطلوب ، فكل هذه أوصاف للعارف في القرب ، فمن وصل إلى العارف فقد وجد اللّه تعالى ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها « 1 » » ، ويثبته الحديث الآخر ، وهو قوله : « مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني إلى قوله : مرض فلان فلم تعده أما وإن عدته لوجدتني عنده « 2 » » والحديث بتمامه من صحاح الأخبار . وهذا تأييد لكماله رضوان اللّه عليه في المعرفة ، فكأنه قال : من وجدك بأوصافك وجدني ومن فقدك فقدني ، فإن الزمان الذي لا يظهر فيه العارف ظلماني يكون أبعد

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1990 ) .