ست العجم بنت النفيس البغدادية
91
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
العصور عن اللّه تعالى أعني بالظهور هاهنا خلو زمان ما من عارف ، وإنما أعني ظهوره لمجموع الوجود ، فمن فاته رؤية عين العارف فما أبعده من اللّه ، بل إذا وجد هذا العارف وجب على المخلوقات اضطرارا رؤيته ، بل ملازمة شهوده لأن حضرته حضرة اللّه تعالى ، فإن قيل في حق عارف مدعي الكمال ، وأنه الواحد ليس هذا هو قلنا : إنه متى ظهر عليه سمات المعرفة إما من الجهل إلى العلم في ليلة ، وإما من الضعف إلى القوة ، وإما من الوقفة إلى الجري في دقائق المعاني ، وإما في إظهار معنى كل غامض يرد عليه ، وإما في تفصيل مقامات الكشوف ورتبه وأدواته وآلاته وكيفياته ، والتفريق بين المقامات ، فكل هذه إذا وجد بعضها في واحد ، فهو المشارإليه بالوجود وإلى فقده منه وخروج عن طاعة اللّه تعالى . وقوله : ( ثم قال لي : من وجدك فقدني ومن فقدك وجدني ) . أقول : إنه يريد بقوله هذا أنه من وجد العارف وحمله على معتقد الجزئية التي يشهدها منه فقد رؤية اللّه تعالى لأنه يرى عن الجزئية ، إذ ليس هو واحدا كالآحاد فينبغي لمن وجد عارفا كاملا فلا يطلق عليه لفظ البقاء إذ هو فان ، ومن اعتقد وجود صورة العارف الجزئية فهو في عين الفقد ، فكأنه قال : من وجد لنفسك الفناء فقد لنفسه الفناء ، وهذا وجه خاف ، وفيه إشارة إلى أحدية العارف في زمانه لأنه متى أطلق أحد المعرفة على واحد ونفسه أيضا قال بالثاني ، ومتى أطلق على نفسه فقط كان مراده أحدية العارف أيضا ، فمن وجد العارف لنفسه فقد المعرفة لنفسه وهذا مراده بقوله : ( من وجدك فقدني ) هذا حقيقته ، وأما حمله على الظاهر ، فمن وجد العارف على صورته العادية فقد فقد ربه فلا ينبغي لأحد إذا وجد عارفا وتيقن فيه المعرفة أن يحمله على الظاهر من رؤيته ، فإن حمله كان مشركا إذ قال له في الخطاب السابق : ( من وجدك وجدني ) وتكراره مع الاختلاف يريد به أن لا يحمل العارف على الظاهر من صورته المحسوسة . وقوله : ( ومن فقدك وجدني ) هذا تأييد ما ذكرناه من فقد الصورة وبقاء الفناء فإن قوله : ( من فقدك وجدني ) مع قوله : ( ومن وجدك فقدني ) متطابقان في الباطن متضادان في الظاهر ، فالأولى أن لا يحمل العارف على ظاهره الجزئي متى وجد ، فمتى حمل على الظاهر جاء قوله : ( من وجدك فقدني ) وقصده من وجد صورتك الظاهرة مع اليقين بأنك عارف فقدني لأنه في حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما لو عدته لوجدتني عنده » . قوله : ( ثم قال : من فقدني وجدني ومن وجدني لم يفقدني ) أقول : معنى قوله : ( من فقدني وجدني ) أن المعرفة باللّه لا تكون إلا بقيام صورة كاملة ، فبعد كمال هذه الصورة