ست العجم بنت النفيس البغدادية

89

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

فإنه متى حكم لنفسه بالوجود اضطر إلى وجود ثان والحقيقة تأبى الثنوية ، وهذا تنزل في الغاية من أوصاف الحقيقة . قوله : ( ثم قال لا يعرف الموجود على الحقيقة إلا الموجود ) . أقول : معنى قوله هذا تأييد لما ذكرناه من قول السلف لا يعرف اللّه إلا اللّه إذ ليس موجود إلا هو ، فلا يعرف وجود ذاته إلا هو ، فمن وصل إلى غاية الفناء في هويته كان ذلك الفناء عين البقاء ، فكان موجودا على الحقيقة لأن وجوده بوجود اللّه تعالى ، وقد أخطأ جماعة من أرباب العقول في قولهم : لا يعرف اللّه إلا اللّه ، أذعنوا به أنه تعالى لا يعرفه أحد وتماروا في غيهم وتمادوا في خطابهم ، ولم يعرفوا قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 23 ] . و قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن من العلم كهيئة المكنون « 1 » » وكل ذلك موارد تعريف من اللّه تعالى بنفسه ، فلولا أنه عالم بأنه معلوم ومرئي ومخاطب لما ورد هذا النص لينكره من يجهله ، ويعرفه من يعرفه ، وباللّه موجب قولهم الضالين ينفي المعرفة إثبات الموجودات مع اللّه تعالى ، ويتفرع من هذا الإثبات ثنوية تدخل على أحدية اللّه ، فمن نفى عن نفسه المعرفة كأنه قال : أنا موجود فاللّه موجود ، لكنه محجوب لإدركه ، وليس مراد الأوائل بقولهم : لا يعرف اللّه إلا اللّه مراد هو ، لا الزائفين ، وإنما قصدوا رضي اللّه عنهم أنه لا يعرف اللّه إلا من فني في هويته ، وفناؤه عين وجوده إذ الوجود على الحقيقة للّه تعالى ، وبهذا يظهر قول الشيخ رضي الله عنه : ( إنه لا يعرف الموجود على الحقيقة إلا الموجود ) إذ ليس في الوجود سوى هوية اللّه ، فمن فني فيها إلى حيث نفي الوجود عن جزئيته انطلق عليه الوجود الحقيقي ، وهذا عارف باللّه . قوله : ( ثم قال لي : الوجود مني لا منك وبك لا بي ) أقول : مراده بهذا تأييد نزع الاختيار عن المخلوقات بل القدرة أيضا ، فالفاعل لها وفيها هو اللّه تعالى ، فهو موجود كونها وكونها موجود منه لا يقتصر على الفعل إذ الوجود من الرحمة والرحمة ناشئة عن العلم والعلم صادر عن ذات اللّه تعالى ، فهو ممد الموجودات على الحقيقة بذاته وأفعاله هذا لمن يثبت الوجود مع اللّه ، ونعوذ به ممن يقول بهذا الإثبات ، فهذا معنى قوله ( الوجود مني ) ، وأما قوله : ( وبك لا بي ) وذلك أن لفظة الوجود لا يطلقها إلا مخلوق فعين عرفان

--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 210 ) ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( 1 / 85 ) .