ست العجم بنت النفيس البغدادية
78
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
يكون هذا الفناء مدركا لا العدم المطلق ، ولهذا قلنا : عدم الفناء ، أي : المنسوب إلى الفناء ، ولهذا قال : ( العدم الباطن لا يصح وجوده ) لأنه إذا خفي الخفاء إلى ما يلي الباطن بشرط زيادة إبهام فلم يدرك فناء الحقيقة من حيث هو لا يدركه إلا هو يعني فناء الكثرة لا يدركه إلا الواحد المتصف بالوجود ، فتكون الكثرة فانية إلى حقائقها ، وتكون حقائقها فانية إلى حقيقة اللّه تعالى ، فاللّه من حيث ذاته لا يدرك حقيقة مسماه ، لأن الاسم يدل على مسمى ، واللّه لا يطلق اسما على غير نفسه ، ومتى أطلق اسما لغيره يكون قد ظهر بشأن مستقل في علمه ، فلا يتميز من خارج ، ومن حيث العلم قد تميز لكن في ذات العالم فهو معدوم عند الظاهر ، بل موجود في ذاته ، فالعدم عندنا يطلق عليه باطنا في حال عكس الوجود ، والوجود العلمي يطلق عليه الظهور في حال العكس المذكور ، وصورة هذا العكس إظهار ما كان باطنا وإبطان ما كان ظاهرا وهذا لا يكون إلا عند خطاب العارف لربه في حال الكشف ، فلا يتصور الوجود الذي كان يتعقله ظاهرا ، ولا يتصور العدم الذي كان ينطق به في الظاهر ، فيكون العدم الذي كان ينطق بالنسبة إلى مقامه هناك باطنا ، ويكون وجوده بالنسبة إلينا باطنا وهو ظاهر لعينه مع قطعه بالفناء فالعدم ، والذي كان عليه قبل الشهود بالنسبة إلى مقام الشهود لا ينطق به ، إذ هو غيب عن مقامه الذي يشهد فيه كل غيب ، ولهذا قال : ( العدم الباطن لا يصح وجوده ) ، والحاصل منه إن كان صفة لا تدرك في اسم اللّه تعالى الظاهر تدرك في الباطن ، فإذا كان الشاهد « 1 » ظاهرا ووصل إلى شهود الباطن ولم يدرك هذا العدم صح أن وجوده معدوم ، فهذا معنى قوله : ( والعدم الباطن لا يوجد ) . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إذا كان الوجود الأول عين الوجود الثاني ، فلا عدم سابق ، ولا وجود حادث ، وقد ثبت حدوثك ) ] . ( ش ) أقول : إن قوله : ( ثم قال لي ) معناه ظاهر وهو حرف يقتضي المهلة . والمراد منه أنه أمسك وابتدأ بعد ذلك . وقوله : ( إذا كان الوجود الأول عين وجود الثاني ) كأنه قال : إن تقطع بأنك موجود
--> ( 1 ) الشاهد : ما يعطيه المشاهد ، والأثر حصول صورة القلب عند الشهود وبعده ، قال اللّه تعالى في إثبات هذا الأثر : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [ هود : 17 ] فذلك الأثر هو الشاهد . ولما كان هو على حقيقة يعطي حكم المشهود ، وحاله ، وخصوصيته ، وصورته ، فيضا ، وبسطا ، هيبة ، وأنسا . قال : « وهو على حقيقة ما يضبطه القلب من صورة المشهود الظاهرة فيه بحسب صفاء وسعة اعتداله » .