ست العجم بنت النفيس البغدادية
79
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
في الظاهر ، فلا عدم نسبي يدخل على ظهورك ، لأنك ما دمت موجودا ، فلا فناء لك ، وحيث يسبق بالعدم الظاهر في حال ابتداء النطق ، وهو لا يكون إلا بالنسبة إلى الظهور ، وقد حصل له كما قال في الظاهر ، فوجب أن يكون له وجودان ظاهر وباطن ، فالظاهر في رأي الجاهل ، والباطن صفة في رأي المنصف ، ومن شروط كمال العارف أن يستوي عنده الوجودان المذكوران ، فحيث ورّى رضي الله عنه بعدم باطن وعدم ظاهر ، فكل منهما له وجود نسبي يليق به ، فالظاهر وجوده باطن ، والباطن وجوده حقي ، وإذا استوى عند العارف هذا ، وقد لفظ بوجودين فكلاهما غير متمايزين إما في اللفظ ، فالوجود يشملهما ، وإما في الحقيقة ، فحضوره لنفسه في عالمي الغيب والشهادة ، فإن كان أحدهما فانيا في الآخر ، فالواحدية تشملهما ، فلا يصح الوجودان المذكوران ، وقد وجد الشاهد بقوله : ( أشهدني ) . وقوله : ( فلا عدم سابق ولا وجود حادث ) بيان لما ذكرناه ، فكأنه قال له : إذا كنت هناك حاضرا لي ، فلا يفتقر حضورك إلى شهود آخر ، وهذا كلمة تنبيه لقوله : ( أنا العدم الظاهر ) لأنه يلحظ منه أن الوجود عدمين أحدهما : ظاهر ، والآخر : باطن وليس كذلك ، فإن للوجود ضدا واحدا ، وهو العدم وموجب القول بالعدمين المذكورين أعني الباطن والظاهر ، وأنه تحقق له وجودي صفة وموصوف ، فشهد نفسه منفردا وشهد الموصوف مخاطبا وحال هذا الحضور أوجب إن قيل : قد ثبت وجودك ، فالوجود الذي كانت عليه بعينه الوجود الذي شهد فيه لكنه خفي عنه قبل الشهود أنه فان من قبل حجب الجهل ، فعند هذا الشهود رفع عنه هذا الحجاب المذكور ، وثبت عنده أن له وجودين وجود علم ووجود جهل ، فوجود في الجهل عدم ظاهر لعينه في حال الشهود عما كان عليه ، ووجود العلم عدم خاف بالنسبة إلى ظهوره في الجهل ، ولهذا قيل : إذا كان الوجود الأول عين الوجود الثاني ، فلا عدم سابق ولا وجود حادث ، فلما علم أنه في هذا الشهود على ما عليه كان في الشهود الجهلي تحقق أنه لا عدم سابق ولا وجود حادث ، وإنما هي صفات تبدل وتغير إلى حيث كمال الدراية وهذا تنبيه له إفهاما وموجبة لفظه بالعدم الظاهر فلما تيقن أن الشهودين متلائمين بل فانيان أطلق على نفسه الفناء . فقال له : ( وقد ثبت حدوثك ) كأنه قال : أنت عند نفسك فان وعندي موجود ووجودك وجود صفاتي ، وصفاتي براءتي عن الثنوية ، فإن قيل : إن الموصوف كيف يفني صفاته مع وجودها لعينه ، فنقول له : إن الصفة تتميز في اللفظ ولا حقيقة لعينها ، والشاهد متميز حال اتصاف اللّه تعالى بالصفات ، وأما في حال فنائها وهو انفراد اللّه تعالى بذاته ، فلا تمايز لعين فيها ، فلما تعقلت الصفة نفسها في حال التلفظ بها كان حدوثا لها ، ولهذا قال : قد ثبت حدوثك فلا يظن السامع أنهما وجودان محدثان ، وإنما هو وجود واحد في